أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٨ - الثالث تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري
هو نفس مناسك الحجّ التي لا يرضى الشارع بتركها لا ما يترتب عليها من المصالح.
و مما ذكرنا ظهر أنّ تعريف المشهور للواجب النفسي و الغيري ممّا لا غبار عليه، و إنّ ما اورد عليه من الإشكال المعروف ليس بوارد، فالواجب النفسي هو ما أمر به لنفسه، و الغيري ما أمر به للوصول إلى واجب آخر.
ثمّ إنّه إذا شكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري كما إذا شكّ في أنّ غسل الجنابة واجب نفسي مطلوب لنفسه أو أنّه واجب لأجل واجب آخر كالصّلاة و الصّيام؟ فما هو مقتضى الأصل اللّفظي و العملي؟
و قد مرّ إجمال البحث عنه في الفصل الخامس من مبحث الأوامر، و قلنا هناك أنّ موضعه الأصلي هو البحث في تقسيمات الواجب:
فنقول: أمّا الأصل اللّفظي فقد ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ مقتضى إطلاق صيغة الأمر كون الواجب نفسياً لا غيريّاً، لأنّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلّم الحكيم في مقام البيان.
و قد أورد عليه أوّلًا: إنّ الصيغة موضوعة لمصاديق الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب لا لمفهوم الطلب فإنّ الفعل لا يتّصف بالمطلوبيّة إلّا بواسطة تعلّق واقع الإرادة و حقيقتها عليه لا بواسطة مفهومها، و من المعلوم أنّ الفرد من الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب جزئي لا يعقل فيه التقييد و الإطلاق، فلا معنى للتمسّك بإطلاق الصيغة لكون الواجب نفسياً لا غيريّاً [١].
و لكن اجيب عنه: إنّ مفاد الهيئة ليس الأفراد بل هو مفهوم الطلب لأنّ الطلب الحقيقي من الصفات الخارجيّة كالشجاعة و الجود و نحوهما لا الامور الاعتباريّة كالزوجيّة و الملكيّة و غيرهما ممّا يقبل الإنشاء بالصيغة (نعم إنّ منشأ الطلب الإنشائي ربّما يكون هو الطلب الحقيقي) و من المعلوم أنّ مفهوم الطلب الإنشائي ممّا يقبل التقييد و الإطلاق، فقد وقع الخلط بين المفهوم و المصداق.
أقول: يرد عليه ما مرّ في اتّحاد الإرادة و الطلب من أنّ الطلب ليس قائماً بالنفس بل القائم
[١] مطارح الأنظار: ص ٦٧، الهداية: ١١ من وجوب مقدّمة الواجب.