أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٧ - العبادات المكروهة
الاستحبابي كما تعلّق بذات العبادة تعلّق بالتعبّد بها أيضاً كما عرفت ذلك في بحث التعبّدي و التوصّلي» [١].
أقول: من البعيد جدّاً أن يكون مراد المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ متعلّق الأمر هو ذات العبادة و استحباب ذات العمل من دون قصد التعبّد بها بل أظنّ أنّ مراده أن المستحبّ إنّما هو الصّوم مع قصد القربة، و المكروه هو الصّيام مع قصد التشبّه ببني اميّة (حيث إنّ التشبّه ليس حراماً بجميع أقسامه و مراتبه فتأمّل).
نعم يمكن الجواب عنه بأنّه حيث إنّ هذين العنوانين متّحدان في الخارج فعلى الامتناع لازمه حصول الكسر و الانكسار و العمل بأرجحهما، و حيث إنّ الأرجح هو الترك كما يشهد عليه ترك الأئمّة : يلزم بطلان الصّوم، و التالي فاسد حيث إنّه لا إشكال في صحّة الصّيام فلم تنحلّ مشكلة العبادات المكروهة بناءً على الامتناع، و بهذا تثبت صحّة استدلال القائلين بالجواز بالعبادات المكروهة.
و قال في تهذيب الاصول: «إنّ النهي و إن تعلّق بنفس الصّوم ظاهراً إلّا أنّه متعلّق في الواقع بنفس التشبّه ببني اميّة الحاصل بنفس الصّوم من دون أن يقصد التشبّه، فالمأمور به هو ذات الصّوم و المنهي عنه التشبّه بهم، و لما انطبق العنوان المنهي عنه عليه و كان ترك التشبّه أهمّ من الصّوم المستحبّ نهى عنه إرشاداً إلى ترك التشبّه» [٢].
أقول: إنّ لازم كلامه حلّ مشكلة العبادات المكروهة على مذاق القائلين بالجواز فقط مع أنّ المقصود في المقام حلّها بناءً على الامتناع فإنّ المفروض صحّتها مع كراهتها.
هذا كلّه في النقض الأوّل على القائلين بالامتناع من جانب القائلين بالجواز و هو النقض بالعبادات المكروهة و قد كان دليلًا شرعيّاً على الجواز.
الأمر الثاني: و هاهنا نقض ثانٍ أو دليل ثانٍ عرفي على الجواز و هو: أنّ أهل العرف يعدّون من أتى بالمأمور به في ضمن الفرد المحرّم مطيعاً و عاصياً من وجهين، فإذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون في مكان خاصّ ثمّ خاطه في ذلك المكان فإنّا نقطع أنّه مطيع عاصٍ لجهتي الأمر بالخياطة و النهي عن الكون في ذلك المكان.
[١] هامش أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٦٧.
[٢] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٣١٩، طبع مهر.