أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٨ - الفصل الخامس عشر الواجب التخييري
و إذا أمكن هذا في الصفات الحقيقيّة كالنجاسة و الطهارة أمكن في الامور الاعتباريّة بطريق أولى، فيمكن أن يتعلّق التكليف بالفرد المردّد بين الشيئين مع عدم تعيّنه في الخارج [١].
قلنا: إنّ متعلّق العلم الإجمالي في المثال المزبور أيضاً متعيّن في الواقع و في علم اللَّه تعالى، لأنّ ما علم المكلّف بنجاسته كان إناءً خاصّاً معيّناً و حصل العلم فيه بطريق خاصّ كالرؤية بالبصر مثلًا، و لا إشكال في أنّ متعلّق هذا الطريق- أي المرئيّ بالبصر- شيء معيّن خاصّ، فقياس ما نحن فيه بمثل هذه الموارد قياس مع الفارق.
هذا- مضافاً إلى أنّ قوام الفرديّة بالتعيين و التشخّص، أي يكون الفرد جزئيّاً حقيقيّاً و إلّا لا يكون فرداً، و هذا لا ربط له بالواجب التخييري الذي يكون المتعلّق فيه كلّياً و هو عنوان «أحدهما».
و أمّا الوجه الثالث: و هو أن يكون الواجب هو القدر الجامع الحقيقي.
ففيه: أنّ لازمه إنكار التخييري الشرعي و إرجاع جميع الواجبات التخييريّة إلى التخيير العقلي، لأنّ لازم كون الواجب هو القدر الجامع الحقيقي في جميع الموارد وجود جامع حقيقي فيها، و مع وجوده يكون التخيير بين الأطراف هو التخيير بين مصاديق كلّي واحد كالصّلاة بالنسبة إلى أفرادها الكثيرة من حيث الزمان أو المكان، و لا إشكال في أنّ تخيير المكلّف بين مصاديق الصّلاة، أي تخييره بين أن يأتي بها في هذا المكان أو ذاك المكان، أو تخييره بين أن يأتي بها في هذه الساعة أو تلك الساعة، تخيير عقلي، مع أنّ محلّ البحث إنّما هو الواجبات التخييريّة الشرعيّة أو المولويّة الموجودة في القوانين العقلائيّة أو في لسان الشرع.
و أمّا الوجه الرابع: و هو أن يكون وجوب كلّ واحد من الطرفين مشروطاً بترك الآخر- ففيه أنّه يستلزم تعدّد العقاب في صورة ترك كلا الطرفين، لأنّ ترك كلّ واحد منهما يوجب تحقّق شرط وجوب الآخر، فيصير وجوب كلّ منهما فعلياً، و يكون لازم ترك كليهما ترك الواجبين و تحقّق معصيتين، و لازمه تعدّد العقاب، مع أنّه لا نظنّ أن يلتزم به أحد.
و أمّا القول الخامس: و هو أن يكون الواجب كلّا من الطرفين و لكن بنوع من الوجوب غير الوجوب التعييني، و هو بمعنى جواز تركه إلى بدله.
[١] راجع هامش أجود التقريرات: ج ١، ص ١٨٣.