أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩ - المسألة الثانيّة في تمايز العلوم
مع أنّه بناءً على تفسير القوم داخل في العرض الغريب لأنّ النار مباينة للماء، و الغريب ما يعرض الشيء مع واسطة في العروض، أي بالعناية و المجاز، نحو عروض الحركة على الجالس في السفينة في جملة «زيد متحرّك» حيث إنّ المتحرّك الحقيقي إنّما هو نفس السفينة.
ثمّ قال: المبحوث عنه في العلوم ما يعرض الموضوع إمّا بلا واسطة في العروض أو مع واسطة في الثبوت، أي ما يعرض على الموضوع حقيقة لا عناية و مجازاً.
أقول: دليل كلامه واضح فإنّه من القضايا التي قياساتها معها لوضوح إنّه لا يبحث في العلوم عن العوارض المجازيّة. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مسائل العلوم لا تنحصر في العوارض الذاتيّة بهذا المعنى فحسب بل قد تشمل العوارض مع الواسطة في العروض أيضاً، فمثلًا في البحث عن السير و التاريخ و حالات الأشخاص ينضمّ إليها البحث عن حالات آبائهم و أبنائهم و أصحابهم مع أنّه يكون من قبيل «زيد قائم أبوه» و المجاز في الإسناد.
كما أنّ قول بعضهم (و هو المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إنّ موضوع كلّ علم ... هو نفس موضوعات مسائله عيناً ... و إن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده» ينتقض ببعض العلوم الدارجة كعلمي الجغرافيا و الهيئة و ما شابههما ممّا تكون النسبة بين موضوعها و موضوعات مسائلها نسبة الكلّ إلى أجزائه و لا إشكال في أنّ عوارض الجزء لا تعدّ من العوارض الذاتيّة للكلّ (بناءً على كلا التفسيرين المذكورين للعارض الذاتي) إلّا بنحو من التكلّف، ضرورة أنّ عارض الجزء و خاصّته عارض لنفس الجزء لا للكلّ الذي تركّب منه و من غيره إلّا على نحو المجاز في الإسناد الذي مرّ ذكره آنفاً.
هذا كلّه بالنسبة إلى المسألة الاولى من المسائل الأربعة في الأمر الأوّل.
المسألة الثانيّة: في تمايز العلوم
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض و استدلّ عليه بوجهين:
الأوّل: إنّه لو لم يكن بالأغراض فليكن بالموضوعات و هو يستلزم أن يكون كلّ باب بل كلّ مسألة من كلّ علم علماً على حدة لشموله على موضوع على حدة.
الثاني: أنّ التمايز بالموضوعات يلزم منه تداخل العلوم بعضها في بعض لأنّه قد يكون شيء واحد موضوعاً لمسألة يبحث عنها في علوم عديدة (كموضوع «التوبة» فإنّها يبحث عنها في