أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٤ - الوجه الرابع برهان الإرادة
بيانه: أنّه لا إشكال في أنّ كلّ معلول ما لم تتحقّق علّته التامّة لم يوجد، بل يمتنع وجوده، فإذا تحقّقت علّته التامّة فلا بدّ من تحقّق المعلول، و لا يمكن تخلّفه عنها، فكلّ فعل عند تحقّق علّته واجب وجوده، و عند عدم تحقّق علّته ممتنع وجوده، فأمره دائماً دائر بين الوجوب و الامتناع، أي أنّه إمّا ضروري الوجود، أو ضروري العدم، و هذا هو معنى الجبر، فلا اختيار في البين.
و الجواب عنه: أنّ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافيه أيضاً
و توضيحه: إنّا نقبل قاعدة «إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» و لكن نقول أيضاً: إنّ الجزء الأخير للعلّة التامّة في الأفعال الاختياريّة هو الإرادة و الاختيار، و لا إشكال في أنّ الوجوب الذي ينشأ من العلّة التي يكون جزؤها الأخير الاختيار لا ينافي الاختيار، بل يؤكّد الاختيار.
الوجه الرابع: برهان الإرادة
(الذي أدرجه بعض في برهان العلّية و لكن ينبغي إفراده عنه لما فيه من خصوصيّة التبيين) و هو عبارة عن «أنّ اختياريّة العمل إنّما تكون بالإرادة، فننقل الكلام إلى الإرادة و نقول: هل الإرادة أيضاً إراديّة و اختياريّة، أو لا؟ فإن لم تكن إراديّة لزم، كون الفعل الذي ينتهي إليها غير ارادي أيضاً، و إن كانت إراديّة فلا بدّ أن تكون تلك بإرادة اخرى، ثمّ ننقل الكلام إلى تلك الإرادة، فإن كانت إراديّة فيلزم التسلسل و إلّا لزم الجبر، فيدور الأمر بين قبول التسلسل و قبول مذهب الجبر، و حيث إنّ الأوّل باطل فيتعيّن الثاني.
و هذا هو من أهمّ أدلّتهم، و هو الذي بالغ فيه أمام المشكّكين حتّى توهّم أنّه لو اجتمع الثقلان لم يأتوا بجوابه.
و لكن اجيب عنه بوجوه عديدة:
الوجه الأوّل: ما أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الثواب و العقاب يترتّبان على الإطاعة و المعصية، و هما تنشئان من الإرادة، و الإرادة أيضاً تنشأ من مقدّماتها الناشئة من الشقاوة و السعادة الذاتيتين، و الذاتي لا يعلّل، و السعيد سعيد في بطن امّه و الشقي شقي في بطن امّه و الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة كما في الخبر.