أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٥ - الأمر الثاني في دلالة المادّة على الوجوب
الإطلاق إلى خصوص الوجوب، فظهر أنّ الدليل الوحيد على دلالة مادّة الأمر على الوجوب إنّما هو الوجه الأوّل، أي التبادر و الظهور العرفي، و أمّا سائر الوجوه فهي على حدّ التأييد للمدّعى لا أكثر، لأنّها استعمالات لهذه المادّة في خصوص الوجوب، و مجرّد الاستعمال غير دالّ على الحقيقة ما لم يبلغ حدّ الاطّراد.
و على أيّ حال: لا كلام في ظهوره في الوجوب، إنّما الكلام في منشأ هذا الظهور، فهل هو الوضع بحيث يكون الأمر بمادّته موضوعاً للطلب الوجوبي، أو منشأه غلبة استعماله في الوجوب، أو أنّه قضيّة الإطلاق و مقدّمات الحكمة كما ذهب إليه المحقّق العراقي (رحمه الله)، أو المنشأ إنّما هو حكم العقل بوجوب طاعة المولى الآمر قضاءً لحقّ المولويّة و العبوديّة كما ذهب إليه بعض المعاصرين [١]؟
قال المحقّق العراقي (رحمه الله) بعد أن نفى الوجه الأوّل (لصحّة التقسيم و صحّة الإطلاق على الطلب غير الإلزامي) و الوجه الثاني (بدعوى وضوح كثرة استعماله في الاستحباب أيضاً مع نقله كلام صاحب المعالم (رحمه الله) و أنّه بعد أن اختار كون الأمر حقيقة في خصوص الوجوب قال: «إنّه يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المرويّة عن الأئمّة : أنّ استعمال الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجّح الخارجي» مع أنّ كلامه (رحمه الله) هذا مرتبط بصيغة الأمر لا بمادّته فراجع): «و حينئذٍ فلا بدّ و أن يكون الوجه في ذلك هو قضيّة الإطلاق و مقدّمات الحكمة، ثمّ قرّبه بوجهين:
الأوّل: أنّ الطلب الوجوبي لمّا كان أكمل بالنسبة إلى الطلب الاستحبابي لما في الثاني من جهة نقص لا يقتضي المنع من الترك، فلا جرم عند الدوران يكون مقتضى الإطلاق هو الحمل على الطلب الوجوبي، إذ الطلب الاستحبابي باعتبار ما فيه من النقص يحتاج إلى نحو تحديد و تقييد، بخلاف الطلب الوجوبي، فإنّه لا تحديد فيه حتّى يحتاج إلى التقييد، و حينئذٍ فكان مقتضى الإطلاق بعد كون الآمر بصدد البيان هو كون طلبه طلباً وجوبياً لا استحبابياً.
الثاني: أنّ الأمر بعد أن كان فيه اقتضاء لوجود متعلّقه في مرحلة الخارج (و لو باعتبار منشئيته لحكم العقل بلزوم الإطاعة و الامتثال) يكون اقتضائه- تارةً- بنحو يوجب مجرّد
[١] و هو المحقّق العلّامة الشّيخ محمّد رضا المظفّر (رحمه الله) في اصول الفقه: ج ١، ص ٦١، طبع دار النعمان بالنجف.