أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٥ - الأمر الرابع هل المسألة اصوليّة أم لا؟
و كأنّ القائل بهذا الوجه توهّم أنّ كلّ ما يكون البحث فيه عقليّاً يكون كلامياً مع أنّه كما ترى، لأنّ البحث في علم الكلام يقع عن أحوال المبدأ و المعاد، و المسألة الكلاميّة تترتّب عليها معرفة المبدأ أو المعاد، و أين هذه من مسألة جواز الاجتماع و امتناعه.
إن قلت: يمكن إرجاع هذه المسألة إلى أحوال المبدأ و المعاد بتقريب أنّه في الحقيقة يبحث فيها عن أنّه هل يترتّب على الصّلاة في الدار المغصوبة مثلًا ثواب أو لا؟ و لا ريب في أنّ الثواب و العقاب من شئون البحث عن المعاد.
قلنا: إنّ البحث عن الثواب و العقاب في علم الكلام بحث عن كلّي الثواب و العقاب كالبحث عن وجود الثواب و العقاب في عالم البرزخ و عدمه مثلًا لا عن مصاديقهما الجزئيّة و أنّه هل يترتّب على هذا المورد الخاصّ و هذا العمل الخاصّ ثواب أو لا؟
إن قلت: يمكن إرجاع هذه المسألة إلى المسألة الكلاميّة ببيان ثالث و هو أنّ البحث فيها بحث عن قبح صدور الأمر و النهي معاً من الباري تعالى بالنسبة إلى شيء واحد، فيكون بحثاً عن أحوال المبدأ.
قلنا: البحث عن أحوال المبدأ في علم الكلام بحث كبروي حيث يبحث فيه عن جواز صدور أمر قبيح من اللَّه تعالى و عدمه بعد الفراغ عن كونه قبيحاً، بينما البحث هنا صغروي فيبحث في صغرى كون اجتماع الأمر و النهي قبيحاً و عدمه.
و قد يقال: أنّها من المبادئ الأحكاميّة حيث إنّ فيها يبحث عن أحوال الحكم و أوصاف الوجوب و الحرمة و أنّهما هل يجتمعان في شيء واحد أو لا؟
و اجيب عنه: أيضاً بأنّا «لا نعقل المبادئ الأحكاميّة في مقابل المبادئ التصوّريّة و التصديقية، بداهة أنّه إن اريد منها تصوّر نفس الأحكام كالوجوب و الحرمة و نحوهما فهو من المبادئ التصوّريّة، إذ لا يعني من المبادئ التصوّريّة إلّا تصوّر الموضوع و المحمول، و إن اريد منها ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه (و منه الحكم بسراية النهي إلى متعلّق الأمر في محلّ الكلام) فهي من المبادئ التصديقية لعلم الفقه، كما هو الحال في سائر المسائل الاصوليّة» [١].
[١] راجع المحاضرات: ج ٤، ص ١٧٨- ١٧٩.