أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٠ - الرابع في الجبر و الاختيار
هو اللَّه تعالى فقط و أمّا العبد فهو يوجد الفعل عند إرادته.
و كلامهم هذا لا يختصّ بالأفعال الاختياريّة للإنسان بل يأتي في جميع العلل و المعلولات، فكلّ علّة تؤثّر في معلولها بإرادة اللَّه تعالى، فالنار مثلًا لا تحرق بل إرادته محرقة مقارنة لإلقاء شيء في النار.
و بعبارة اخرى: عادة اللَّه جرت على إيجاد كلّ معلول عند وجود علّته، و بعبارة ثالثة: صدور الفعل من اللَّه يقترن دائماً بإرادة الإنسان، فالإحراق هو فعل اللَّه مباشرةً و لكنّه يفترن بنحو الصدفة الدائمية بالنار.
و المادّيون يقولون: أنّ فعل الإنسان معلول كسائر المعلولات في عالم الطبيعة يتحقّق في الخارج جبراً و قهراً من دون أن يكون اختياريّاً، و الاختيار مجرّد توهّم و خيال يرجع في الواقع إلى عدم تشخيص العلل الخفيّة المؤثّرة في وجود الفعل كالمحيط و الوراثة و الغريزة.
و هذه مسألة لها جذور تاريخية قديمة بل هي من أقدم المسائل التاريخية، تمتد إلى حيث بداية الإنسان، فإنّ الإنسان من بدو وجوده كان يرى نفسه متردّداً بين الأمرين، فمن جانب كان يرى عدّة من العوامل الخارجيّة تؤثّر في أفعاله و إرادته، و من جانب اخرى يرى فرقاً بينه و بين الحجر الذي يسقط من الفوق على الأرض، فقال قوم بالاختيار، و قال قوم بالجبر.
استدلّ الطائفة الاولى من الجبريين على مذهبهم بوجوه:
الوجه الأوّل: أنّه لا شكّ في أنّ اللَّه تعالى مريد، و إرادته نافذة في كلّ الأشياء، و لا حدّ لارادته، و لا يوجد شيء في عالم الوجود من دون إرادته، و من جملة الأشياء جميع أفعال العباد، فهي أيضاً تحت نفوذ إرادته، و إلّا يلزم تخلّف إرادته عن مراده أو خروج أفعال العباد عن سلطانه، فإذا تعلّقت إرادته بعصيان العبد أو اطاعته لا يمكن للعبد التخلّف عنه فإنّه إذا أراد اللَّه شيئاً فإنّما يقول له كن فيكون، و لا يقال أنّ هذه إرادة تشريعيّة له، بل إرادته التكوينيّة نافذة في كلّ شيء و محيطة على كلّ شيء و لا يوجد شيء في هذا العالم إلّا بهذه الإرادة.
هذا ملخّص كلامهم في الدليل الأوّل الذي يمكن تسميته باسم توحيد الإرادة و شمولها.
و الجواب عنه: أنّا ننكر نفوذ إرادته تعالى في جميع الأشياء، بل نقول أنّ من الأشياء التي