أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣١ - الرابع في الجبر و الاختيار
تعلّقت مشيئته و إرادته بها هو كون العبد مختاراً في أفعاله، فهو أراد و اختار أن يكون العبد مريداً و مختاراً، و حينئذٍ لازم عدم كون الإنسان مختاراً تخلّف إرادته عن مراده و عدم نفوذ إرادته و مشيّته في جميع الأشياء، و هو خلف.
و بعبارة اخرى: المؤثّر في تحقّق الأفعال في الخارج ارادتان: إرادة العبد و إرادة اللَّه، و لكن إرادة العبد في طول إرادة اللَّه، فلا تنافي إطلاق سلطنته و نفوذ مشيّته في جميع الأشياء، فاللَّه يريد كون العبد مختاراً في أفعاله، و العبد يريد الفعل باختياره و إرادته.
الوجه الثاني: ما يشبه الدليل الأوّل، و لكنّه من طريق آخر و هو وصف الخالقية، ببيان إنّ اللَّه تعالى خالق لكلّ شيء، و لا شريك له في خالقيته لجميع الأشياء التي فاللَّه أفعال العباد هو الخالق لأفعال الإنسان لا أنّ الإنسان هو خالق لها (و هذا دليل عموم الخلقة و توحيدها).
و الجواب عنه: يشبه الجواب عن الوجه السابق، و هو أنّ خلق العبد أفعاله أيضاً يكون ناشئاً من إرادته و خالقيته، فإنّه تعالى خلق للعبد إرادة خالقة و جعله قادراً على الخلق و الإيجاد في أفعاله، فخلق العبد في طول خلق اللَّه، و قدرته على الخلق في طول قدرته، فاللَّه تبارك و تعالى خالق بالذات و مستقلًا، و العبد خالق بالغير و في طول خلقه، و خلقه مستند إلى خلقه، و هذا لا يعدّ شركاً بل هو عين التوحيد.
الوجه الثالث: دليل العلم، و بيانه أنّ اللَّه تعالى كان عالماً بأفعال العباد خيرها و شرّها و طاعتها و معصيتها بتمام خصوصيّاتها من الأزل و لا بدّ من وقوعها مطابقة لعلمه (سواء كان علمه علّة لها أو كاشفاً عنها) و إلّا يلزم أن يصير علمه جهلًا، فنحن مجبورون في أفعالنا حتّى لا يلزم هذا المحذور الفاسد (و هذا ممّا ظهر في لسان بعض الأشعار كقول الشاعر الفارسي: «گر مى نخورم علم خدا جهل شود» أي لو لم أشرب الخمر لكان علمه تعالى جهلًا لأنّه كان يعلم من الأزل أنّي أشرب الخمر!
و الجواب عنه أيضاً واضح، لأنّه تعالى كان يعلم من الأزل أنّ العبد يصدر منه الفعل باختياره و إرادته (أي إرادة العبد) فلو صدر منه الفعل جبراً لزم صيرورة علمه تعالى جهلًا، لأنّه كان يعلم بصدوره عن اختياره، و لذا قال الشاعر الفارسي العالم الخبير في الجواب عن الشعر السابق «علم ازلى علت عصيان گشتن- نزد عقلا ز غايت جهل بود»، و هذا نظير نسخة المريض التي يكتبها الطبيب لرفع مرضه مع أمره باجتنابه عن بعض المأكول أو