أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٣٧ - التنبيه الثاني التمسك باطلاقات المعاملات
و ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى تفصيل في المقام و قال: «لو قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات موضوعة بإزاء الأسباب فلا ينبغي الإشكال في صحّة التمسّك بالمطلقات و لو قلنا بأنّها موضوعة للصحيحة، لأنّ الإطلاق يكون منزلًا على ما يراه العرف صحيحاً، و أمّا إذا قلنا بأنّها موضوعة للمسبّبات فيشكل الأمر لأنّ إمضاء المسبّب لا يلازم إمضاء السبب.
و ما يقال في حلّه من أنّ إمضاء المسبّب يلازم عرفاً إمضاء السبب إذ لو لا إمضاء السبب كان إمضاء المسبّب لغواً، فليس بشيء، إذ لا ملازمة عرفاً في ذلك، و اللغويّة إنّما تكون إذا لم يجعل الشارع سبباً أو لم يمض سبباً أصلًا إذ لا لغويّة لو جعل سبباً أو أمضى سبباً في الجملة، غايته أنّه يلزم حينئذ الأخذ بالمتيقّن (و الاحتياط في الباقي) فلزوم اللغويّة لا يقتضي إمضاء كلّ سبب بل يقتضي إمضاء سبب في الجملة».
ثمّ إنّه لمّا رأى نتيجة كلامه- و هي عدم إمكان التمسّك بشيء من الإطلاقات الواردة في باب المعاملات- خلاف سيرة الفقهاء، تصدّى من طريق آخر لحلّ الإشكال و قال:
«فالتحقيق في حلّ الإشكال هو أنّ باب العقود و الايقاعات ليست من باب الأسباب و المسبّبات، و إن اطلق عليها ذلك بل إنّما هي من باب الإيجاد بالآلة، و الفرق بين باب الأسباب و المسبّبات و بين باب الإيجاد بالآلة هو أنّ المسبّب في باب الأسباب ليس فعلًا اختياريّاً للفاعل بحيث تتعلّق به إرادته أوّلًا و بالذات بل الفعل الاختياري و ما تتعلّق به الإرادة هو السبب و يلزمه حصول المسبّب قهراً، و هذا بخلاف باب الإيجاد بالآلة فإنّ ما يوجد بالآلة كالكتابة هو بنفسه فعل اختياري للفاعل و متعلّق لارادته و يصدر عنه أوّلًا و بالذات فإنّ الكتابة ليست إلّا عبارة عن حركة القلم على القرطاس بوضع مخصوص و هذا بنفسه فعل اختياري صادر عن المكلّف أوّلًا و بالذات بخلاف الإحراق فإنّ الصادر من المكلّف هو الإلقاء في النار لا الإحراق، و باب العقود و الايقاعات كلّها من قبيل الإيجاد بالآلة فإنّ هذه الألفاظ كلّها آلة لايجاد الملكيّة و الزوجيّة و الفرقة و غير ذلك، و ليس البيع مثلًا مسبّباً توليديّاً لهذه الألفاظ بل البيع بنفسه فعل اختياري للفاعل متعلّق لارادته أوّلًا و بالذات، و يكون إيجاده بيده، فمعنى حلّية البيع هو حلّية إيجاده، فكلّ ما يكون إيجاداً للبيع بنظر العرف فهو مندرج تحت إطلاق قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و المفروض أنّ العقد بالفارسيّة مثلًا يكون مصداقاً لايجاد البيع بنظر العرف، فيشمله إطلاق حلّية البيع، و كذا الكلام في سائر الأدلّة و سائر الأبواب، فيرتفع موضوع الإشكال، إذ مبنى الإشكال هو تخيّل أنّ المنشئات بالعقود من قبيل