أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٢١ - الأمر السادس في اعتبار قيد المندوحة و لزوم أخذه في محلّ النزاع
(لأنّ اعتبار قيد المندوحة و عدمه أمر مربوط بمقام الامتثال و الإثبات، و هذان الأمران.
و بتعبير آخر: وقوع التعارض بين دليلي الوجوب و الحرمة في مورد الاجتماع و عدمه أمر مربوط بمقام الجعل و الثبوت)، ثمّ قال في ذيل كلامه: نعم- بناءً على الجواز و عدم السراية- إذا لم تكن مندوحة فلا محالة تقع المزاحمة بينهما لعدم تمكّن المكلّف وقتئذٍ من امتثال كليهما معاً فيكون تكليف المكلّف بامتثال كلا التكليفين معاً من التكليف بالمحال، فإذن لا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات باب المزاحمة، فيقدّم أحدهما على الآخر لمرجّح أن كان، و إلّا فهو مخيّر بين أن يصرف قدرته في امتثال هذا و إن يصرف قدرته في امتثال ذاك، فعدم المندوحة في البين يوجب وقوع التزاحم بين التكليفين على القول بالجواز في المسألة لا أنّه يوجب عدم صحّة النزاع فيها كما هو ظاهر» [١].
أقول: إنّ روح كلامه يرجع إلى مقالة المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام من أنّ محلّ البحث هو التكليف المحال لا التكليف بالمحال، و النكتة المضافة في كلامه إنّما هو ما ذكره في الذيل من «أنّ عدم المندوحة يوجب دخول المسألة في باب التزاحم بناءً على الجواز لا أنّه يوجب عدم صحّة النزاع فيها» و لكن الإنصاف أنّ هذا بنفسه اعتراف من جانبه باعتبار قيد المندوحة في محلّ النزاع لأنّه إذا لم تكن في البين مندوحة لا يمكن القول بجواز الاجتماع لأنّ من الواضحات وقوع التزاحم بين الحكمين و لزوم تقديم أحدهما على الآخر في فرض وجود مرجّح، و التخيير بينهما في فرض عدم وجود المرجّح، و هذا ما اعترف به المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً في ذيل كلامه بقوله: «نعم لا بدّ من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلًا لمن يرى التكليف بالمحال محذوراً» حيث إنّ المعنون في عنوان المسألة إنّما هو جواز اجتماع الأمر و النهي الفعليين، و لا إشكال في عدم كون أحد الحكمين فعليّاً في صورة فقدان المندوحة و وقوع التزاحم، لأنّه تكليف بالمحال، فالحقّ اعتبار قيد المندوحة في محلّ النزاع.
و أمّا القول بالتفصيل بين ما إذا كان الاجتماع بسوء الاختيار و ما إذا لم يكن بسوء الاختيار فسيأتي أنّه أيضاً خاطئٌ، لأنّ المولى لا يكلّف بما لا يطاق سواء كان عدم الطاقة و القدرة بسوء اختيار المكلّف أو لم يكن.
[١] المحاضرات: ج ٤، ص ١٨٩- ١٩٠.