أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٧ - التنبيه الثاني في الفرق بين المشتقّ و مبدئه
من ناحية وصف كذا: إنّ المراد من التركّب من الذات و المبدأ هو التركّب التحليلي لا التفصيلي.
توضيحه: أنّ المفاهيم على ثلاثة أنواع:
الأوّل: ما يكون بسيطاً من ناحية الدالّ و المدلول و الدلالة جميعاً كمفهوم الجسم.
الثاني: ما يكون متعدّداً تفصيلًا كذلك كمفهوم «له القيام».
الثالث: ما يكون متعدّداً في الجهات الثلاثة عند التحليل لا تفصيلًا كمفهوم «القائم» الذي يكون مصداقاً من مصاديق المشتقّ، و بالنتيجة تكون المشتقّات كالبرازخ بين الجمل التفصيلية و الجوامد.
أقول: كلامه جيّد حيث أوضح المراد من التركّب و البساطة في المشتقّ إلّا أنّ فيه: إنّ المشتقّ مركّب من الذات و المبدأ و النسبة جميعاً لا من الأوّلين فقط، لأنّ تلبّس الذات بالمبدإ لا يتصوّر بدون النسبة الناقصة كما مرّ.
الأمر الثاني: ما أفاده المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في بعض عباراته، و حاصله: إنّ المشتقّ قد أخذ في مفهومه ما يصحّ به الحمل و لكن ليس هذا من مفهوم الذات و إلّا لم يصحّ القول بأنّ «الوجود موجود» أو «البياض أبيض» لعدم تصوّر ذات في «الموجود» و «الأبيض» هنا، نعم يوجد فيهما شيء إجمالًا يصحّ بذلك الحمل [١].
أقول: أوّلًا: إنّا لا نريد من الذات أكثر من ذلك الشيء الذي يصحّ به الحمل كما اعترف به.
ثانياً: لا ينتقض القول بأخذ الذات في المشتقّ بهذين المثالين لأنّهما ليست من الإطلاقات العرفيّة التي يثبت بها المعنى الموضوع له حتّى تكون معياراً في تعيين مداليل الألفاظ، فلا يصحّ عرفاً إطلاق الأبيض على البياض.
إلى هنا تمّ التنبيه الأوّل و ظهر أنّ الحقّ فيه تركّب المشتقّ من الذات و المبدأ و النسبة جميعاً.
التنبيه الثاني: في الفرق بين المشتقّ و مبدئه
إن قلنا بأنّ الذات مأخوذ في المشتقّ فالفرق بينه و بين مبدئه واضح، فلا تصل النوبة حينئذ إلى البحث عنه، و أمّا إذا قلنا بعدم أخذها فيه فيقع البحث في الفرق بين المشتقّ و مبدئه،
[١] نهاية الدراية: ج ١ ص ٩٢، من الطبع القديم.