أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٠ - الجهة الخامسة كيفية وجوب المقدّمة
إن قلت: لازم ذلك عدم حصول الغرض فيما إذا أتى المكلّف بالمقدّمة من دون التوصّل مع أنّه لا شبهة في حصوله فيما إذا كانت المقدّمة من التوصّليات.
قلنا: ربّما يسقط الغرض من المأمور به بما ليس بمأمور به، فينتفي الواجب بانتفاء موضوعه، و هذا ممّا يتّفق كثيراً ما في الواجبات التوصيلية كما إذا حصل تطهير المسجد بنزول المطر أو بماء مغصوب لم يكن التطهير به مأموراً به قطعاً، و لكنّه لا ينافي اختصاص الوجوب بحصّة خاصّة من المقدّمة و هي الحصّة المقيّدة بقصد التوصّل.
و قد أورد عليه بما حاصله: إنّ الواجب إنّما هو ذات المقدّمة التي هي مقدّمة بالحمل الشائع، و أمّا عنوانها فهو من الجهات الباعثة على وجوبها كالمصالح و المفاسد الكامنة في متعلّقات الأحكام (فهو في الواقع من الجهات التعليلية لوجوب المقدّمة لا من الجهات التقييديّة له) فلو أتى بالمقدّمة بدون قصد التوصّل فقد أتى بالواجب، و إلّا لو لم يكن الواجب مطلق المقدّمة لم يجتز بما لم يقصد به التوصّل و لم يسقط به الوجوب قطعاً، فلا بدّ من نصب السلّم مرّة اخرى مثلًا بقصد التوصّل مع أنّه ممّا لم يقل به أحد و يخالفه حكم العقل القطعي، و لا يقاس ذلك بمثل تطهير المسجد بمقدّمة محرمة كماء مغصوب أو بنزول المطر لأنّ عدم اتّصاف المقدّمة فيهما بالوجوب ليس إلّا لأجل المانع عنه، و هو الاتّصاف بالحرمة في المثال الأوّل، و الخروج عن القدرة في المثال الثاني لا لفقد المقتضي فيه، أي الملاك من التوقّف و المقدّميّة، فلولا المانع لاتّصفا أيضاً بالوجوب قطعاً كغيرهما من الفرد المباح و الفرد الداخل في القدرة.
ثمّ إنّ المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في حاشية الكفاية تصدّى إلى توجيه مراد الشّيخ (رحمه الله) بما حاصله:
أنّه فرق بين الواجبات العقليّة و الواجبات الشرعيّة، فإنّ الجهات التعليلية في الثانيّة غير الجهات التقييديّة فيها، فإن الصّلاة مثلًا تكون الجهة التعليلية فيها النهي عن الفحشاء مثلًا، و هو ليس قيداً لها حتّى يكون الواجب الصّلاة الناهية عن الفحشاء، بخلاف الأحكام العقليّة فتكون الجهة التعليلية فيها بعينها هي الموضوع لحكم العقل، فحكم العقل بحسن ضرب اليتيم للتأديب مثلًا حكم بحسب الواقع و الحقيقة بحسن التأديب، كما أنّ حكمه بقبح الضرب للايذاء حكم في الواقع بقبح الايذاء، فتكون الجهة التعليلية فيها بعينها هي الجهة التقييديّة و الموضوع للحكم، و على هذا الضوء فبما أنّ مطلوبيّة المقدّمة ليست لذاتها بل لحيثية مقدّميتها و التوصّل