أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠١ - الجهة الخامسة كيفية وجوب المقدّمة
بها، فالمطلوب الجدّي و الموضوع الحقيقي للحكم العقلي إنّما هو نفس التوصّل [١].
و قد ناقش فيه بعض الأعلام «بأنّ رجوع الجهات التعليلية في الأحكام العقليّة إلى الجهات التقييديّة و إن كان في نهاية الصحّة و المتانة إلّا أنّه أجنبي عن محلّ الكلام في المقام، و ذلك لما تقدّم في أوّل البحث من أنّ وجوب المقدّمة عقلًا بمعنى اللابدّيّة خارج عن مورد النزاع و غير قابل للانكار، و إنّما النزاع في وجوبها شرعاً الكاشف عنه العقل، و كم فرق بين الحكم الشرعي الذي كشف عنه العقل و حكم العقل، و قد عرفت أنّ الجهات التعليلية في الأحكام الشرعيّة لا ترجع إلى الجهات التقييديّة، فما أفاده (رحمه الله) لا ينطبق على محلّ للنزاع» [٢].
أقول: الأولى في مقام الدفاع عن مقالة الشّيخ (رحمه الله) أن نقول: أنّه قد وقع الخلط في المقام بين العناوين القصديّة التي لا تتحقّق بدون القصد كعنوان التأديب الذي يحصل بالضرب المقصود منه التأديب (و إلّا يكون ظلماً و إيذاءً) و بين غيرها من العناوين كعنوان الغصب الذي يحصل بالتصرّف في مال الغير من دون طيب نفسه و إن لم يقصد به الغصب، و المقدّمة في ما نحن فيه إنّما تكون من القسم الأوّل، فلا بدّ في تحصيلها إلى قصد المقدّميّة، و هو يساوق قصد التوصّل بها إلى ذيها.
لكن الإنصاف أنّه لا دليل على كونه من القسم الأوّل بل المقامات مختلفة، فلذا ينتقض بمثل نصب السلّم الذي يحصل بلا قصد التوصّل أيضاً، فالإشكال باقٍ على حاله فإنّه لا يجب نصبه مرّة اخرى بقصد التوصّل قطعاً.
بقي هنا شيء:
و هو ما أشرنا إليه سابقاً من أنّه وقع النزاع في تعيين مراد الشّيخ الأعظم (رحمه الله)، فهل مقصوده اعتبار قصد التوصّل قيداً في المقدّمة كما هو الظاهر من كلماته و كان هو مدار البحث إلى هنا، أو أنّ مقصوده اعتباره في مقام الامتثال و ترتّب المثوبة (كما أيّده في تهذيب الاصول) [٣] و أنّ من أراد التقرّب بالمقدّمة إلى اللَّه تعالى و ترتّب الثواب عليها فليأت بها بقصد التوصّل بها إلى ذيها،
[١] حكاه عنه في المحاضرات: ج ٢، ص ٤٠٦.
[٢] المحاضرات: ج ٢، ص ٤٠٧.
[٣] راجع تهذيب الاصول: ج ١، طبع مهر، ص ٢٠٢.