أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٦ - الأمر الأوّل في إمكان وضع الألفاظ المشتركة و عدمه، ثمّ في وقوعه بعد ثبوت إمكانه
كلامه، ثمّ يتعهّد ثانياً كذلك بالنسبة إلى المعنى الآخر، لأنّ أحد التعهّدين مناقض للآخر.
أقول: يمكن التعهّد و الالتزام بأنّه كلّما استعمل هذا اللفظ أراد أحد هذين المعنيين، و أمّا تعيين أحدهما بعينه فهو إنّما يكون بالقرينة فلا يلزم حينئذٍ محذور التناقض.
و أمّا القائلين بالوجوب: (و هو في المقام بمعنى اللابدّية) فاستدلّوا له بأنّ الألفاظ محدودة و المعاني غير متناهية و لو لا الألفاظ المشتركة لوقعنا في ضيق و حرج بالنسبة إلى المعاني التي لم توضع بإزائها ألفاظ، فلا بدّ لنا من المصير إلى الاشتراك.
و الجواب عنه:
أوّلًا: إن كان المراد من عدم التناهي، عدم التناهي حقيقة فلا ترتفع الحاجة إلى غير المتناهي بالمتناهي و لو زيد عليه ألف مرّة كما لا يخفى، و إن كان المراد منه الكثرة.
ففيه: أنّ الألفاظ أيضاً كثيرة بل تتجاوز مئات الملايين كما يظهر لنا بمحاسبة ساذجة، بملاحظة ثلاثين حرفاً من الحروف الهجائيّة (لو فرضنا كونها ثلاثين حرفاً) و ضربها في نفسها (٣٠* ٣٠/ ٩٠٠) ليحصل منه التراكيب الثنائيّة، ثمّ ضرب العدد الحاصل في الثلاثين أيضاً ليحصل به الكلمات الثلاثيّة (٩٠٠* ٣٠/ ٢٧٠٠٠)، ثمّ ضرب العدد الحاصل في الثلاث لإمكان تغيير موضع الحروف الثلاثة و إمكان تصوير كلّ كلمة ثلاثيّة على ثلاث صور، (٢٧٠٠٠* ٣٠/ ٨١٠٠٠٠) و هكذا إلى آخره فيضرب العدد الحاصل في الثلاثين أيضاً ليتشكّل منه الكلمات الرباعيّة، ثمّ ضربه في الأربع، ثمّ ضربه في اثني عشر، ثمّ في الثلاثين أيضاً، ثمّ في خمسة و عشرين ثمّ ملاحظة كيفية الحركات الثلاثة (٨١٠٠٠٠* ٣٠/ ٢٤٣٠٠٠٠* ٤/ ٩٧٢٠٠٠٠* ١٢* ٣٠* ٢٥* ...) وعليه فلا إشكال في كفاية الألفاظ عن المعاني بل أنّها أكثر من المعاني، أي تكون القضيّة على العكس، فيمكن أن يقال: إنّ الألفاظ غير متناهية عرفاً، و المعاني التي نحتاج إليها في حياتنا متناهية.
ثانياً: سلّمنا كون المعاني غير متناهية و كون الألفاظ متناهية إلّا أنّ كلّية كثير من الألفاظ بل أكثرها توجب رفع المشكلة لأنّ مورد الحاجة كثيراً ما يكون هو الكلّي و أمّا الجزئيات و المصاديق فترتفع الحاجة إليها بتطبيق الكلّي على الفرد كما لا يخفى، فإنّا نحتاج إلى وضع اسم لكلّي الحجر أو الشجر أو الدار مثلًا و لا نحتاج إلى وضع لفظ لافرادها بل نتكلّم عنها بتطبيق كلّياتها عليها.