أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٧ - الثالث تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري
دواعي لأوامره، و حينئذٍ لا يعقل تكليف العباد بتحصيلها و لا محالة تكون فوق دائرة الأمر لا تحته.
و يشهد لما ذكرنا امور:
الأمر الأوّل: ما اشير إليه من أنّ العبد غالباً يكون جاهلًا بتفاصيل المصالح التي تترتّب على الأحكام، فهو يعلم إجمالًا بوجود رابطة بين الصّلاة مثلًا و النهي عن الفحشاء و إنّ الصّيام جنّة من النار، و أمّا الجزئيات و الخصوصيّات فهي مجهولة له بل قد لا يعلم بعض المصالح لا تفصيلًا و لا إجمالًا كجعل صلاة الصبح ركعتين، هذا مضافاً إلى كون المصلحة في كثير من مواردها ليست دائمية و بمنزلة العلّة بل بصورة الأغلبية و بمثابة الحكمة كعدم اختلاط المياه في وجوب الأخذ بالعدّة.
الأمر الثاني: أنّ المصلحة قد تكون في نفس الأمر و الإنشاء و لا مصلحة في متعلّقه كما في الأوامر الامتحانيّة في الشرع و نظير الأوامر التي تصدر من جانب الموالي العرفيّة أو الامراء عند نصبهم لمجرّد تثبيت المولويّة أو الأمارة.
الأمر الثالث: أنّ المصلحة قد لا تترتّب على فعل مكلّف خاصّ حتّى يؤمر بتحصيلها بل أنّها تترتّب على أفعال جماعة من المكلّفين بل قد تترتّب على أفعال أجيال منهم نظير أمر الإمام ٧ في تلك الرّواية المعروفة بكتابة الأحاديث للأجيال القادمة في غيبة الإمام ٧، فإنّ المصلحة التي تترتّب على هذا الأمر تظهر بعد مضيّ مدّة طويلة من الزمان، نسلًا بعد نسل، و جماعة بعد جماعة.
نعم مع ذلك كلّه قد يبيّن المولى شيئاً من المصالح لمجرّد تشويق العباد و إيجاد الرغبة و الداعي فيهم إلى إتيان التكاليف نظير قوله تعالى «إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر» و نظير جميع الرّوايات التي وردت في باب علل الشرائع.
إن قلت: إن لم تكن المصالح داخلة في دائرة الحكم الشرعي للمكلّف فكيف يقال بوجوب حفظ الغرض في كلماتهم كما مرّ كراراً في الأبحاث السابقة؟
قلنا: المراد من الغرض الواجب تحصيله في هذا التعبير إنّما هو نفس المأمور به قبل تعلّق الأمر به أو شبه ذلك لا الآثار و المصالح المترتّبة عليه، فالغرض من الحجّ مثلًا (الذي تمسّكنا في إثبات وجوب مقدّماته المفوتة فيه من قبيل تهيئة الزاد و الراحلة بوجوب حفظ الغرض) إنّما