أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٣ - تتميم في الحقيقة و المجاز
كلّي الموضوع له اللفظ على فرد من أفراده لا من باب استعمال اللفظ الموضوع في خصوص ذلك الفرد حتّى يقاس باستعمال اللفظ الكلّي في خصوص أحد مصاديقه الحقيقيّة و يكون مجازاً.
و أمّا عن الثاني فبأنّ المدّعى في الأعلام الشخصيّة هو العينية لا التشبيه و الاستعارة فيدّعى مثلًا إنّ زيداً في قولك «زيد حاتم» عين الحاتم الطائي المعروف فيكون من باب تطبيق معنى جزئي للموضوع له اللفظ على مصداق جزئي ادّعائي فاستعمل اللفظ حينئذ في معناه الموضوع له (و لكن بضميمة ادّعاء العينية) لا في غير الموضوع له حتّى يكون مجازاً.
أمّا المسلك الثالث فتوضيحه: إنّ الإرادة في استعمال الألفاظ على قسمين: إرادة استعماليّة و إرادة جدّية، و هما تارةً تتّحدان و اخرى تفترقان كما في الأوامر الامتحانيّة فإنّ الإرادة فيها إرادة استعماليّة فقط لم تتعلّق بمتعلّق الأمر جدّاً، و من موارد افتراقهما المجازات فإنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تعلّقت على المعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ و أمّا الإرادة الجدّية فتعلّقت على المعنى المجازي، و كذلك في الكنايات نحو «زيد كثير الرماد» فاستعمل لفظ «زيد» و «كثير الرماد» في معناهما الموضوع له اللفظ و تعلّق به الإرادة الاستعماليّة، و أمّا الإرادة الجدّيّة فتعلّقت ببيان سخاوة زيد، و هذا تعبير آخر من أنّ المجاز في أمر عقلي و إنّ التطبيق على فرد ادّعائي.
أقول: إنّ هذا هو المختار و الدليل عليه أوّلًا: أنّه مقتضى البداعة و اللطافة المجازيّة فإنّ البداعة و جمال البيان يتحقّق فيما إذا استعمل اللفظ في معناه الحقيقي كما في قوله: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته- و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم» فإنّ حسن الكلام في هذا البيت مبني على كون نفس البيت أو الحرم عارفاً بمن هو المقصود فيه لا خصوص أهل البيت و أهل الحرم أو ربّ البيت و ربّ الحرم، و هذا لا يكون إلّا بعد ادّعاء وجود قوّة مدركة عاقلة للبيت و الحرم و كذا في سائر المجازات.
و ثانياً: أنّه أيضاً مقتضى القرابة الشديدة بين المجاز و الكناية، فإذا كان استعمال اللفظ في الكنايات في نفس الموضوع له فليكن كذلك في المجازات، و لا إشكال و لا خلاف في أنّ اللفظ في الكنايات يستعمل في الموضوع له لأنّ الكناية عبارة عن ذكر اللازم و إرادة الملزوم (أو بالعكس)، و تكون الإرادة الاستعماليّة فيها غير الإرادة الجدّية، ففي مثال «زيد كثير الرماد»