أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٣ - الوجه الثالث برهان العلّية
الثاني: (هو جواب حلّي منه (رحمه الله) فهو إنّا غير عالمين بتفاصيل العمل و إلّا لو علمنا به تفصيلًا لكنّا قادرين على تكراره بعينه، فمثلًا لو علمنا بمقدار الماء في الاغتراف الأوّل لاستطعنا أن نغترف منه بنفس ذلك المقدار في المرّة اللّاحقة.
و أمّا الجواب الثالث فهو أن نقول: إنّ الاختياري من العمل في المثال المزبور إنّما هو أصل إلقاء الحجر فحسب، و هو ممّا يمكن تكراره بعينه بلا إشكال، و أمّا خصوصيّاته و جزئياته فلا بأس بكونها خارجة عن الاختيار.
و بعبارة اخرى: هاهنا عدّة من العوامل الجبريّة تكون دخيلة في عمل الإلقاء كبعض ارتعاشات اليد و مقدار القوّة الموجودة في اليد في كلّ مرّة و لكنّها لا تنافي اختياريّة أصل العمل كما لا يخفى.
الوجه الثاني: برهان العلم بالتفاصيل
و بيانه أنّ اختياريّة العمل تستلزم العلم بتفاصيله و هو مفقود بالوجدان كما في حركة الساهي أو النائم و انقلابه من جنب إلى جنب و في الأعمال الاعتياديّة، فلا يعلم الإنسان بكميّة عمله و كيفيته (في المثال الأوّل) كما لا يعلم بعدد خطواته و كيفيتها (في المثال الثاني و في الأعمال الاعتياديّة) فإن كانت هذه الأعمال اختياريّة له فكيف لا يكون عالماً بتفاصيلها؟
و أجاب عنه المحقّق الطوسي (رحمه الله): بما يخصّ بالمثال الأوّل بأنّ ملاك اختياريّة العمل إنّما هو صدوره عن علم و التفات، و هما منفيان في حال النوم أو السهو، فلا يكون العمل في هذا الحال اختياريّاً.
و أمّا في المثال الثاني و هو الأعمال الاعتياديّة فيمكن أن يقال: أنّها معلومة إجمالًا لأنّها قبل أن تصير اعتياديّة كانت تصدر من الإنسان عن علم و التفات تفصيلي، و بعد تحقّق العادة أيضاً تصدر عن علم و التفات، و لكن على نحو الإجمال، و لا دليل على اعتبار العلم التفصيلي في اختياريّة الأعمال.
الوجه الثالث: برهان العلّية
أي «قاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد»