أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٥ - أمّا المقام الثاني و هو البحث عن الضدّ الخاصّ كالصّلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الدَّين
الجواب الأوّل: أنّ التمانع إنّما هو بمعنى عدم الاجتماع في الوجود، و هو لا يلازم مقدّميّة أحد المتمانعين للآخر و تقدّمه عليه رتبة، بل غاية ما يقتضيه إنّما هو كون وجود أحدهما مع عدم الآخر في رتبة واحدة.
هذا حاصل ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية، و قد قرّره المحقّق النائيني (رحمه الله) ببيان أوفى و هو «إنّ مرتبة مانعية المانع متأخّرة عن وجود المقتضي و عن وجود جميع الشرائط، بمعنى أنّ الرطوبة مثلًا لا يمكن أن يقال: أنّها مانعة عن احتراق الجسم إلّا بعد وجود النار و مماسّتها مع الجسم القابل للاحتراق، نعم يمكن أن يكون وجود الرطوبة في الجسم القابل للاحتراق قبل وجود النار و قبل مماسّتها لذلك الجسم و لكن اتّصافها بصفة المانعية و فعلية هذه الصفة فيها لا يمكن إلّا بعد وجود المقتضي للاحراق و جميع شرائطه، و على هذا الأساس ينكر إمكان كون شيء شرطاً لشيء، ضدّه مانعاً عنه لأنّ مانعية الضدّ لا تتحقّق إلّا بعد وجود الشرط الذي هو عبارة عن الضدّ الآخر، و بعد وجود ذلك الضدّ الذي هو شرط يمتنع وجود هذا الآخر الذي يدّعي أنّه مانع، و إلّا يلزم اجتماع الضدّين، و مع امتناع وجوده كيف يمكن أن يكون مانعاً؟ ... (إلى أن قال): إذا تقرّر ذلك. فنقول: توقّف وجود الإزالة على عدم الصّلاة- مثلًا- لا بدّ و أن يكون من جهة عدم المانع، أي حيث إنّ وجود الصّلاة مانع عن وجود الإزالة، و عدم المانع من أجزاء علّة الشيء، و العلّة لا بدّ و أن توجد بجميع أجزائها و خصوصياتها حتّى يوجد المعلول و من جملتها عدم المانع، و قد تبيّن أنّ كون الصّلاة مانعة عن وجود الإزالة لا يمكن إلّا بعد وجود المقتضي للازالة و وجود جميع شرائطها، و قد عرفت ممّا تقدّم أنّه إذا وجد المقتضي للازالة لا يمكن أن يوجد المقتضي للصّلاة أصلًا لما ذكرنا من عدم إمكان اجتماع المقتضيين للضدّين في عالم الوجود، ففي هذا الفرض (أي فرض وجود المقتضي للازالة) لا بدّ و أن تكون الصّلاة معدومة لعدم وجود المقتضي لها و مع انعدامها كيف تكون مانعة عن وجود الإزالة؟» [١].
هذا هو الجواب الأوّل عن الوجه الأوّل و هو تامّ في محلّه.
الجواب الثاني: أنّ مقدّميّة عدم أحد الضدّين يستلزم الدور، لأنّه بناءً على المقدّميّة يكون
[١] راجع منتهى الاصول: ج ١، ص ٣٠٨، للمحقّق البجنوردي (رحمه الله).