أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٤ - الثالث تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري
الوضعي على العموم الشمولي المستفاد من مقدّمات الحكمة، وعليه ففي المقام حيث إنّ كلًا من إطلاق الهيئة و إطلاق المادّة مستند إلى مقدّمات الحكمة فلا ترجيح لأحدهما على الآخر.
و ثالثاً: لو سلّمنا أقوائيّة الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي لكن لا نسلّم إنّها توجب تقديم الشمولي على البدلي ما لم يصل إلى حدّ الظهور العرفي للفظ في الشمول بحيث تعدّ البدليّة مخالفة للظهور.
و أمّا الوجه الثاني: فالجواب عنه واضح، لأنّ الأمر في ما نحن فيه دائر بين تقييد و تقييد، لا بين تقييد و تقييدين: لأنّ تقييد الهيئة يوجب ارتفاع موضوع التقييد في المادّة على نحو السالبة بانتفاع الموضوع لا إنّه يلازم تقييدها مع بقاء موضوعه، فإن قيّدنا الهيئة لزم تقييد واحد، و إن قيّدنا المادّة لزم تقييد واحد أيضاً فالأمر دائر بين تقييد و تقييد.
إلى هنا تمّ الكلام عن التقسيم الثاني للواجب.
الثالث: تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري
و قد عرّف الأصحاب الواجب النفسي بأنّه عبارة عن ما أمر به لنفسه، و الغيري بأنّه عبارة عن ما أمر به لغيره.
و هاهنا إشكال معروف و هو أنّ هذا التعريف يوجب كون جلّ الواجبات غيريّة لأنّها إنّما وجبت لغيرها و هو المصالح التي تترتّب عليها، فينحصر الواجب النفسي في مثل معرفة اللَّه تعالى حيث إنّها مطلوبة لذاتها.
و لعلّ هذا أوجب عدول المحقّق الخراساني (رحمه الله) من التعريف المشهور إلى قوله في الكفاية:
«فإن كان الداعي فيه هو التوصّل به إلى واجب لا يكاد التوصّل بدونه إليه لتوقّفه عليه فالواجب غيري و إلّا فهو نفسي، سواء كان الداعي محبوبيّة الواجب بنفسه كالمعرفة باللَّه أو محبوبيته بما له من فائدة مترتّبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات و التوصّليات».
و لكنّه أورد عليه أخيراً بما حاصله: أنّ أكثر الواجبات النفسيّة التي أمر بها لأجل ما فيها من الخواصّ و الفوائد على هذا تكون واجبات غيريّة، فإنّ تلك الفوائد لو لم تكن لازمة واجبة