أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٦ - أدلّة القائلين بالاختيار
المعنى أبو الحسن الرضا في عبارة وجيزة لطيفة و قد سأل عنه الراوي و قال: اللَّه فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: اللَّه أعزّ من ذلك. قلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال: «اللَّه أعدل و أحكم من ذلك» [١].
و قد أجاب عنه الأشاعرة بوجهين:
أحدهما: من طريق إنكار الحسن و القبح العقليين و إنّ الظلم ليس قبيحاً على الباري تعالى.
ثانيهما: أنّه لو سلّمنا و قبلنا الحسن و القبح عند العقل إلّا أنّه لا يصدق الظلم على أفعاله تعالى حتّى يحكم العقل بقبحه لأنّها تصرّفات في ملك نفسه و له أن يتصرّف في ملكه بما يشاء كيف يشاء لا يسأل عمّا يفعل.
و يجاب عن الوجه الأوّل: بأنّه سفسطة مخالفة للوجدان، مضافاً إلى أنّه مستلزم لانهدام أساس المذهب و هو معرفة الباري لأنّها مبنية على قبول وجوب التحقيق عن وجوده تعالى، و هو مبني على وجوب شكر المنعم و وجوب دفع الضرر المحتمل و قبح تركهما، و كذلك معرفة النبي ٦ لأنّها أيضاً متوقّفة على قبح اعطاء اللَّه تعالى المعجزة بغير النبي الصادق الصالح لمقام النبوّة و إلّا لو لم يكن اعطائه بالشيطان مثلًا قبيحاً لم تثبت النبوّة و الرسالة و لم يحكم العقل بوجوب النظر إلى دعوى من يدّعي النبوّة و معجزته.
و عن الوجه الثاني: بأنّه لا دليل على جواز تصرّف الإنسان مثلًا في مملوكاته مطلقاً بما شاء و كيف يشاء، فلا يجوز له مثلًا إحراق أمواله بل العقل يحكم بخلافه و بجواز التصرّفات غير القبيحة، كذلك بالنسبة إلى أفعال الباري تعالى فإنّ تصرّفاته لا تكون إلّا عن مصلحة، و من المعلوم أنّ ما ذكر قبيح مخالف للمصلحة.
الوجه الثالث: «دليل الحكمة» فإنّ القول بالجبر يلازم كون بعث الرسل و انزال الكتب لغواً، لأنّه أمّا أن اللَّه تعالى أراد طاعة عبده و أنّ ذات العبد مقتضية للطاعة فبعثه و زجره تحصيل للحاصل، و إمّا أن لا تكون ذاته مقتضية للطاعة بل لها اقتضاء العصيان فيكون بعثه أو زجره تكليفاً بما لا يطاق و كلاهما ينافيان حكمة الباري تعالى.
و هذا الوجه تامّ حتّى بناءً على إنكار الحسن و القبح العقليين، لأنّ كونه تعالى حكيماً ثابت بالنقل.
[١] اصول الكافي: ج ١، ص ١٥٧.