أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٣ - الكلام في الترتّب
٤- مرحلة الامتثال.
و في الحقيقة أنّ المرحلة الاولى خارجة عن حقيقة الحكم كالمرحلة الرابعة، فإنّه لا إشكال في أنّ المصلحة من مبادئ الحكم لا من مراتب نفس الحكم، كما أنّ الامتثال مرحلة متأخّرة عن الحكم، فالمراتب الحقيقية للحكم عبارة عن مرحلة الإنشاء و مرحلة الفعليّة، و عدّ غيرهما من مراتبه إنّما هو من باب التوسعة.
و على أيّ حال لا معنى للمضادّة و المطاردة بين الضدّين بالنسبة إلى المرحلة الاولى لأنّه يمكن أن يكون لكلّ من الضدّين مصلحة غير مصلحة الآخر، فكما أنّ انقاذ ابن المولى يكون ذا مصلحة- يكون انقاذ عبده أيضاً ذا مصلحة إلّا أنّ الأولى أهمّ و الثانية مهمّ، بل أنّه لازم معنى التزاحم بين الأمرين، فلو لم يكن لكلّ منهما مصلحة لم يقع بينهما تزاحم بل أنّ أكثر الامور مشتملة على مصالح متزاحمة، بعضها أهمّ من بعض و كذلك المرحلة الثانيّة أي مرحلة الإنشاء، فإنّ إنشاء الأمر بالأهمّ لا ينافي إنشاء الأمر بالمهمّ مع قطع النظر عن مرحلة الامتثال، و كذلك مرحلة الفعليّة لأنّه ما دام المولى لم يأمر في مرحلة الإنشاء بالجمع بين الحكمين في آنٍ واحد لم يلزم مضادّة في مرحلة الفعليّة بل الحكم الفعلي بالنسبة إلى الأهمّ إنّما هو فرد خاصّ معيّن لأنّه واجب مضيّق فوري، و بالنسبة إلى المهمّ هو طبيعي الفعل كطبيعي الصّلاة الذي ينحلّ إلى أفراد عديدة بعدد آنات الوقت.
و إن شئت قلت: إنّ الأمر بالواجب الفوري ينحلّ إلى أوامر متعدّدة بتعدّد الآنات، ففي كلّ آن إذا فرض العصيان كان الأمر بالأهمّ ساقطاً و صار المهمّ منجزاً، و هكذا في الآن الثاني و الثالث إلى آخر الآنات، وعليه فلا يجتمع في آنٍ من الآنات أمران منجزان بفعلين متضادّين أصلًا.
و بهذا يظهر الحكم بالنسبة إلى المرحلة الرابعة، لأنّ المولى إذا لم يأمر بالجمع بين الفعلين في مرحلة الإنشاء و الفعليّة لم يجب على المكلّف إتيانهما في آنٍ واحد في مقام الامتثال فلا مضادّة بينهما في هذه المرحلة أيضاً.
هذا بالنسبة إلى الجواب عن الوجه الأوّل.
و هكذا الجواب عن الوجه الثاني و هو دليل الوجدان، فإنّ مجرّد افتراض كون الأمر بالمهمّ إرشاديّاً في بعض الموارد لا يستلزم الإرشاديّة في سائر الموارد و هكذا رفع اليد عن الأمر