أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٢ - ١- التبادر
الأمر الأوّل في منشأ دلالة التبادر على الوضع.
و هو أمر واضح، لأنّ منشأ ظهور لفظ في معنى و منشأ تبادر ذلك المعنى من ذلك اللفظ لا يخلو من أحد الأمرين: إمّا الوضع أو القرينة، فإذا انتفت القرينة و علم أنّ المعنى فهم من حاق اللفظ كما هو المفروض في المقام يستكشف منه وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى.
الأمر الثاني: فيما قد يقال من أنّ كون التبادر علامة للحقيقة يستلزم الدور المحال، لأنّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع، و المفروض أنّ العلم بالوضع أيضاً يتوقّف على التبادر و هذا دور واضح.
و اجيب عن هذا بوجوه عديدة:
أوّلها: قضيّة الإجمال و التفصيل. و توضيحها: إنّ العلم الذي يتوقّف عليه التبادر هو العلم الإجمالي الارتكازي، و العلم المتوقّف على التبادر هو العلم التفصيلي، و بعبارة اخرى: يوجد في حاق ذهن الإنسان و مرتكز أهل اللّغة معنى إجمالي يتبدّل إلى العلم التفصيلي بالتبادر.
ثمّ إنّ هذه القضيّة (الإجمال و التفصيل) قضيّة ينحلّ بها كثير من المعضلات، منها إشكال الدور المعروف الذي أُورد على الشكل الأوّل في المنطق من ناحية منكري الاستدلال و البرهان، و هو أنّه (القياس و البرهان) لا يوجب لنا علماً جديداً لأنّ جميع اشكاله ترجع إلى الشكل الأوّل، و هو دوري، لأنّ من شرائطه كلّية الكبرى، و هي تتوقّف على شمول الكبرى للنتيجة و كونها معلومة ضمن الكبرى، و الحال أنّ العلم بالنتيجة أيضاً يتوقّف على كلّية الكبرى، و هذا دور ظاهر.
و قد أجاب عنه الشّيخ الرئيس بعين ما ذكرناه في التبادر و بيانه: إنّ كلّية الكبرى تتوقّف على العلم الإجمالي بالنتيجة، و أمّا ما يتوقّف على القياس فهو عبارة عن العلم التفصيلي بالنتيجة.
ثانيها: سلّمنا، و لكنّه مختصّ بما إذا اتّحد العالم و المستعلم و لا يتصوّر بالنسبة إلى الجاهل باللغة المستعلم من التبادر عند أهلها، لأنّه يصير عالماً بالوضع بتبادر المعنى من اللفظ إلى ذهن العالم بالوضع، فعلمه بالوضع يتوقّف على التبادر إلى ذهن العالم، و أمّا التبادر إلى ذهن العالم فلا يتوقّف على علم الجاهل بل يتوقّف على علم نفسه، و قد عرفت أنّ موارد التبادر في الغالب هو من هذا القبيل أي تعدّد العالم و المستعلم.