أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٣ - ١- التبادر
ثالثها: ما حكي عن بعض المحقّقين، و حاصله إنّه لا مانع من كون كلا العلمين (المتوقّف على التبادر و المتوقّف عليه التبادر) تفصيلياً، و لا دور في البين، لأنّهما فردان متشخّصان من العلم لحصولهما في زمانين، و يكفي في ارتفاع الدور تغاير العلمين في التشخّص [١].
و لنعم ما أُجيب عنه من أنّه مع وجود العلم التفصيلي بالوضع قبل التبادر يكون تحصيل علم تفصيلي آخر تحصيلًا للحاصل، إلّا أن يعرض عليه النسيان و مع عروض النسيان يصير العلم مجملًا و مرتكزاً و نحتاج في تبديله بالعلم التفصيلي إلى التبادر.
الأمر الثالث: أنّه يفهم استناد التبادر إلى حاق اللفظ من كثرة استعمال اللفظ في المعنى و كثرة تبادره منه (و إن لم يبلغ حدّ الاطّراد) حتّى يعلم إنّه لا تعتمد الدلالة على القرينة، و لا يمكن الاعتماد على أصل عدم القرينة لكونه من الاصول العقلائيّة التي تجري لتعيين مراد المتكلّم بعد العلم بالوضع و بعد العلم بالمعنى الحقيقي و المجازي، لا عند الشكّ في الموضوع له.
الأمر الرابع: قال المحقّق العراقي (رحمه الله) في المقام ما حاصله: إنّ هذا البحث إنّما يكون منتجاً بناءً على كون مدار حجّية اللفظ على أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة تعبّداً و أنّ اللفظ حجّة في المعنى الحقيقي و لو لم ينعقد للفظ ظهور فيه، لأصالة الحقيقة أو لأصالة عدم القرينة، إذ حينئذٍ نحتاج إلى معرفة الموضوع له و المعنى الحقيقي بالتبادر و أمثاله، و أمّا إذا قلنا أنّ اللفظ حجّة في المعنى الظاهر و لو كان ظهوره من جهة القرينة الحافّة به كما هو التحقيق فلا نحتاج إلى معرفة المعنى الموضوع له و الحقيقي بالتبادر و أمثاله، و لا فائدة لهذا البحث [٢].
أقول: يمكن الجواب عنه بأنّه كثيراً ما يكون منشأ الظهور العرفي هو الوضع. أي ينعقد عند العرف للفظ ظهور في معناه الحقيقي، فإنّا و إن قلنا بكون مدار حجّية اللفظ هو أصالة الظهور لكن حيث إنّ سبب الظهور هو العلم بالوضع فنحتاج في معرفته إلى التبادر و أمثاله، و بعبارة اخرى: الظهور العرفي لا يكون بلا سبب بل إمّا أن ينشأ من الوضع أو من القرائن، و معرفة الموضوع له أحد أسباب الظهور، فإذا علم الفقيه بالموضوع له يحصل له العلم بما هو الظاهر عند العرف.
الأمر الخامس: «إنّ التبادر- كما ذكره بعض الأعلام- يثبت كون المعنى حقيقيّاً للفظ و كونه
[١] حكاه في تهذيب الاصول: ج ١، ص ٤٠، طبع مهر.
[٢] راجع المقالات: ص ٣١.