أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٥ - ٢- عدم صحّة السلب و صحّته (صحّة الحمل و عدم صحّته)
أقول: إنّ كلامه جيّد مقبول عندنا، و لكن هاهنا امور تجب الإشارة إليها لتتميم هذا البحث:
الأمر الأوّل: ما هو السرّ في كون صحّة الحمل علامة للمعنى الحقيقي؟ و جوابه ما مرّ نظيره في التبادر (من أنّ صحّة الحمل تنشأ إمّا من القرينة أو من ناحية الوضع و حيث إنّ المفروض عدم وجود القرينة يعلم أنّها ناشئة من الوضع) فصحّة سلب معنى عن لفظ علامة عدم وضعه له و إلّا لم يكن السلب صحيحاً.
الأمر الثاني: أنّ إشكال الدور الذي مرّ في مبحث التبادر يأتي هنا أيضاً، و بيانه: إنّ صحّة الحمل يتوقّف على العلم بالموضوع له في موضوع القضيّة و محمولها (لأنّ صحّة الحمل فرع تصوّر الموضوع و المحمول و هو فرع العلم بهما) بينما العلم بالوضع أيضاً يتوقّف على صحّة الحمل و هذا دور واضح.
و لكن يأتي هنا أيضاً الجوابان المذكوران في التبادر:
أحدهما: إن علمنا بالوضع يكون بالإجمال و الارتكاز، و أمّا العلم المتوقّف على صحّة الحمل علم تفصيلي، فالمتوقّف غير المتوقّف عليه بالإجمال و التفصيل.
ثانيهما: سلّمنا، و لكنّه يختصّ بما إذا كان المستعلم من أهل اللسان، أمّا إذا كان أجنبياً عنه فإنّه يحصل له العلم بالوضع بصحّة الحمل في استعمالات أهل اللسان فلا دور.
الأمر الثالث: أنّ لبعض الأعلام هنا اشكالًا و حاصله: إنّ صحّة الحمل و صحّة السلب يكونان مسبوقين بالتبادر، فالعلامة في الحقيقة هو التبادر، و توضيحه: إذا قلنا «الغيث هو المطر» فحيث إنّ الحمل هذا يحتاج إلى تصوّر «الغيث» و «المطر» و تصوّرهما يحتاج إلى العلم بمعناهما و اتّحادهما في الخارج، و العلم هذا لا طريق لنا إليه إلّا التبادر، فنحن عالمون بالوضع بالتبادر قبل تحقّق الحمل، فالعلامة منحصرة في التبادر هذا كلّه إذا كان المستعلم من أهل اللسان، أي كان المراد من صحّة الحمل و السلب صحّتهما عند نفسه، و أمّا إذا كان المستعلم من غيره و كان جاهلًا باللسان و أراد أن يصل إلى الوضع من طريق استعمال أهل اللسان، فإنّ هذا الحمل بالنسبة إليه يرجع إلى تنصيص أهل اللّغة، و التنصيص غير صحّة الحمل، فتلخّص أنّ صحّة الحمل إمّا أن يرجع إلى التبادر أو إلى تنصيص أهل اللّغة، و ليست هي نفسها من علائم الحقيقة و المجاز [١].
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ١، ص ٤١، طبع مهر.