أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٦ - العبادات المكروهة
للمصلحة و الآخر واجداً للمفسدة (لا أنّ في تركه مصلحة) و المصلحة الموجودة في الأوّل تكون أقوى من المفسدة الموجودة في الثاني و لا إشكال في أنّ ذا المصلحة يصير بعد الكسر و الانكسار أقلّ ثواباً من سائر الأفراد، و قد مرّ الجواب آنفاً عن إشكال ترك الأئمّة صيام عاشوراء دائماً فلا نعيده و أمّا الجواب بأنّ أصل صحّة الصّيام في يوم عاشوراء محلّ ترديد و كلام فلا يعبأ به لأنّ ظاهر الأدلّة صحّته كما حكي عن المشهور.
هذا كلّه بناءً على اعتبار ترتّب الثواب في معنى العبادة، و أمّا بناءً على ما مرّ في مبحث التعبّدي و التوصّلي من أنّ العبادة أمر اعتباري اعتبرت للخضوع و التذلّل في مقابل المولى و ليس في ذاتها و حقيقتها أن تكون مقرّبة إلى المولى و أن يترتّب عليها الثواب بل إنّها أيضاً تنقسم إلى أقسام خمسة، فبعض أقسامها حرام كصيام يوم الاضحى، و بعض أقسامها واجب كصيام رمضان، و قسم ثالث منها مستحبّ كصيام شعبان و رجب، و قسم رابع منها مكروه و هو صيام يوم عاشوراء و هكذا- إذا قلنا بهذا انحلّ الإشكال من الأساس لأنّه لا يترتّب على صوم عاشوراء ثواب حتّى يقال بأنّه ينافي كراهته.
بقي هنا أمران:
الأمر الأوّل: ما سلكه المحقّق النائيني (رحمه الله) بالنسبة إلى القسم الثالث فإنّه قال: «إنّ الإشكال في اتّصاف العبادة بالكراهة في القسم الثالث إنّما نشأ من تخيّل أنّ متعلّق الأمر و النهي هو شيء واحد مع أنّه ليس، كذلك لوضوح أنّ متعلّق الأمر هو ذات العبادة، و أمّا النهي التنزيهي فهو لم يتعلّق بها لعدم مفسدة في فعلها و لا مصلحة في تركها بل تعلّق بالتعبّد بهذه العبادة لما فيه من المشابهة للأعداء، و بما أنّ النهي تنزيهي و هو متضمّن للترخيص في الإتيان بمتعلّقه جاز التعبّد بتلك العبادة بداعي امتثال الأمر المتعلّق بذاتها ... فارتفع إشكال اجتماع الضدّين في هذا القسم أيضاً» [١].
و استشكل عليه في تهذيب الاصول بأُمور: منها: «أنّ لازم تعلّق الأمر بذات العبادة كذات الصّوم أن يصير توصّلياً و لو بدليل آخر بل تعلّق الأمر به بقيد التعبّديّة» [٢].
كما أنّ تلميذه المحقّق (رحمه الله) أورد عليه أيضاً في هامش أجود التقريرات بأنّ «الأمر
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٦٧.
[٢] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٣٢١، طبع مهر.