أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٣ - التنبيه الأوّل في الاضطرار إلى المحرّم
و على أيّ حال: إنّ مرجع هذا القول إلى دعاوٍ ثلاثة: نفي الحرمة فعلًا لسقوط النهي فعلًا بحدوث الاضطرار، و نفي الوجوب مقدّمة (أي أنّ توقّف التخلّص عن الحرام على الخروج و انحصاره فيه لا يجدي في وجوبه من باب المقدّميّة) لأنّه كان بسوء اختياره، و جريان حكم المعصية عليه لأنّه كان منهياً عنه في السابق و قد عصاه بسوء اختياره فإنّه قبل الدخول في الأرض المغصوبة كان مكلّفاً بترك الغصب بجميع أنحائه من الدخول و الخروج و البقاء جميعاً، و قد عصى النهي بالنسبة إلى الخروج كما عصاه بالنسبة إلى الدخول فيستحقّ العقاب عليهما جميعاً.
و لكن يرد عليه: أنّ وجوبه الفعلي الشرعي ثابت بقاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع حيث لا إشكال في أنّ الخروج واجب عقلًا من باب أقلّ المحذورين و رعاية قانون الأهمّ و المهمّ، فليكن كذلك شرعاً، لأنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع.
إن قلت: المستفاد من قوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ ...»* عدم كون المضطرّ عاديّاً و لا باغياً، و لازمه اشتراط جواز الفعل المنهي عنه أو وجوبه بعدم كون الاضطرار بسوء الاختيار.
قلنا: غاية ما يستفاد من هذه الآية اشتراط ترتّب العقاب بكونه باغياً أو عاديّاً لا أكثر.
أمّا القول الرابع: و هو كون الخروج واجباً و عدم كونه حراماً فيمكن أن يستدلّ له بأنّ ما نحن فيه داخل في كبرى قاعدة وجود ردّ المال المغصوب إلى مالكه من دون اتّصافه بالحرمة.
و فيه: أوّلًا إنّه يمكن أن نلتزم بترتّب العقاب على ردّ المال المغصوب أيضاً و إن كان واجباً عقلًا و شرعاً، و ذلك من باب كونه بسوء الاختيار فيكون نظير وجوب أكل الميتة للمضطرّ بسوء الاختيار حيث لا إشكال في أنّه يعاقب على أكلها مع وجوبه.
و ثانياً: لقائل أن يقول: بعدم وجوب الخروج أيضاً (فيكون الجزء الأوّل من هذا القول- و هو وجوب الخروج- أيضاً غير تامّ) لأنّه متوقّف على كونه مقدّمة للكون في خارج الدار المغصوبة الذي يكون ضدّاً للكون في داخلها و على أن يكون ترك أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر، (بيان الملازمة أنّه إذا كان الكون في داخل الدار المغصوبة ضدّاً للكون في خارجها كان تركه مقدّمة له فيصير واجباً من باب المقدّميّة حيث إنّ المفروض أنّ الكون في خارج الدار المغصوبة واجب) مع أنّه قد قرّر في محلّه في مبحث الضدّ، أنّ الضدّين مثلًا متلازمان لا تقدّم لأحدهما على الآخر.