أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٣ - الرابع هل أنّ العلم من الشرائط العامّة للتكليف؟
وجوب تحصيله و عدمه، و أنّه هل يكون تحصيله غير واجب كسائر شرائط التكليف، أو له خصوصيّة من بينها فيجب تحصيله؟ و هكذا بالنسبة إلى العلم بالمكلّف به، فإذا علمنا بأصل وجوب الحجّ مثلًا و علمنا أيضاً بحصول الاستطاعة في السنة اللّاحقة فهل يجب تحصيل العلم بمسائل الحجّ أو لا؟ المعروف و المشهور وجوب تحصيل العلم في القسم الأوّل، أي العلم بأصل التكليف، و يمكن أن يستدلّ له بوجوه:
الوجه الأوّل: أنّ تحصيل العلم واجب نفسي، فهو واجب مع قطع النظر عن كونه مقدّمة لواجب آخر، و تدلّ عليه آيات و روايات نظير ما ورد في بعض الأخبار من أنّه يسأل عن الإنسان يوم القيامة: هلّا عملت؟ يقول: ما علمت، فيقال له: هلّا تعلّمت؟ و ما ورد عن الصادق ٧: «ليت السّياط على رءوس أصحابي حتّى يتفقّهوا في الدين»، و نظير آية النفر التي تدلّ على وجوب تحصيل العلم و وجوب تعليمه معاً.
و فيه: أنّ العلم في أمثال المقام طريقي لا موضوعي، و لذا لو أتى بالواقع من طريق الاحتياط أجزأه قطعاً و لا يؤاخذ على ترك تحصيل العلم مع أنّه لو كان واجباً نفسياً لم يجز العمل بالاحتياط في موارد الجهل بالحكم.
الوجه الثاني: العلم الإجمالي بوجود تكاليف في الشريعة حيث يقتضي تحصيل العلم التفصيلي بها للامتثال.
و هو جيّد في الجملة، و يمكن النقاش فيه بأنّ لازمه عدم وجوب الفحص و تحصيل العلم بالتكليف إذا علم بالمقدار المعلوم إجمالًا و انحلّ العلم الإجمالي بسبب ذلك، مع أنّ الفحص واجب مطلقاً حتّى مع الشكّ البدوي في وجوب تكليف.
الوجه الثالث: حكم العقل (أو بناء العقلاء) و هو العمدة، فإنّ العبد موظّف في مقابل مولاه و حقّ العبوديّة و الطاعة أن يفحص عن تكاليف المولى في مظانّها، نعم، له العمل بالاحتياط و ترك تحصيل هذا العلم، و أمّا الأخذ بالبراءة من دون فحص فهو أمر غير جائز كما يتّضح لك بالرجوع إلى أهل العرف في مناسبات الموالي مع عبيدهم.
نعم بعد الفحص بالمقدار المتعارف بين العقلاء يجوز التمسّك بالبراءة لعدم العلم بتحقّق التكليف مع أنّه لو كان من شرائط الوجود لكان الأصل فيه الاشتغال.
هذا كلّه في العلم بالتكليف.