أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٤ - التنبيه الأوّل في الاضطرار إلى المحرّم
و لكن الإيراد الثاني غير وارد لما مرّ في مبحث الضدّ أيضاً أنّه ربّما يعدّ ترك أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر عند العرف و العقلاء مع عدم كونه مقدّمة له بالدقّة العقليّة، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فيكون هذا القول بالنسبة إلى جزئه الأوّل- أي وجوب الخروج- تامّاً.
أمّا القول الخامس: و هو كون الخروج حراماً من دون أن يكون واجباً فاستدلّ لعدم وجوبه: بأنّه لم يدلّ دليل على وجوب الخروج من الأرض المغصوبة أو على وجوب التخلّص عن الغصب أو وجوب ردّ المال إلى صاحبه أو ترك التصرّف في مال الغير بعناوينها بأن يكون كلّ واحد من هذه العناوين موضوعاً لحكم الوجوب، و ما في بعض الرّوايات «المغصوب كلّه مردود» لا يدلّ على وجوب الردّ بعنوانه بل لمّا كان الغصب حراماً يردّ المغصوب تخلّصاً عن الحرام عقلًا، نعم لو قلنا أنّ النهي عن الشيء مقتضٍ للأمر بضدّه العامّ و أنّ مقدّمة الواجب واجبة يمكن أن نقول بوجوب بعض العناوين المتقدّمة لأنّ التصرّف في مال الغير إذا كان حراماً يكون ترك التصرّف واجباً و الخروج من الأرض المغصوبة مقدّمة لتركه لكنّه مبني على مقدّمتين ممنوعتين، و أمّا كونه محرّماً بالفعل فاستدلّ له بما حاصله: أنّه كفاك له من الأدلّة ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير بغير إذنه و السرّ في ذلك ما مرّ من أنّ الخطابات الكلّية القانونيّة تفارق الخطابات الشخصيّة ملاكاً و خطاباً، لأنّ الخطاب القانوني لا ينحلّ بعدد المكلّفين حتّى يستهجن بالنسبة إلى الغافل و العاجز و المضطر و العاصي و نظائرهم بل انبعاث عدّة مختلفة من المكلّفين كافٍ في جعل الحكم الفعلي على عنوانه العام بلا استثناء و إنّما العقل يحكم بأنّ لذي العذر عذره (انتهى) [١].
أقول: يرد عليه:
أوّلًا: ما مرّ في الأبحاث السابقة من انحلال الأحكام القانونيّة الكلّية إلى خطابات جزئيّة بعدد المكلّفين، و قد ذكرنا له شواهد مختلفة، منها صدور بعض الأحكام على نهج العام الاستقرائي، فإنّه يشهد على كون الخطاب حجّة على كلّ فرد فرد منهم، و لازمه انحلاله إلى خطابات عديدة بعدد المكلّفين، و لا فرق بين العموم الاستغراقي و غيره من هذه الناحية، و هل يمكن القول بالانحلال في العموم الاستغراقي دون المطلق المستفاد منه العموم؟
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٣٢١- ٣٢٢، طبع مهر.