أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٢ - المختار في حلّ مشكلة الإرادة على مذهب الاختيار
مبدئيتها بالآلات الجرمانيّة بل هي موجدة لها بلا وسط جسماني، و ما كان حاله كذلك في صدوره من النفس لا يكون بل لا يمكن أن يكون بينه و بينها إرادة زائدة متعلّقة، به بل هي موجدة له بالعلم و الاستشعار الذي في مرتبة ذاتها، لأنّ النفس فاعل إلهي واجد لأثره بنحو أعلى و أشرف» [١] (انتهى).
إن قلت: إن كانت النفس علّة تامّة و فاعلة للفعل باختيارها من دون دخالة شيء آخر من الخارج فلما ذا صدر الفعل الفلاني منها في اليوم دون الأمس مع أنّ المعلول لا ينفكّ عن علّته التامّة؟
قلنا: المفروض أنّ النفس بما لها من صفة الاختيار تكون علّة تامّة للفعل، و لا إشكال في أنّ هذه الصفة تقتضي بذاتها تخصيص الفعل بوقت دون وقت، و هذا نظير ما يقال به في باب صفات الباري من أنّه تعالى مختار و اختياره عين ذاته، و لازمه تخصيص فعله (و هو خلق حادثة فلانيّة كخلق الشمس و القمر) بزمن خاصّ لا من الأزل.
و الحاصل: أنّه يمكن قياس فعل العبد من هذه الجهة على فعل اللَّه، فهل العالم قديم؟ لا إشكال في حدوثه، فهل العلّة التامّة لوجوده هو ذات الباري بما له من الإرادة و الاختيار بل الإرادة و الاختيار عين ذاته، فلما ذا حصل الخلق و حدث بعد أن لم يكن؟ فهل كانت هناك علّة من الخارج؟ و المفروض أنّه لم يكن هناك شيء فما العلّة في تخصيص حدوثه بوقت دون وقت؟
و الجواب: أنّ ذاته تعالى بما له من الاختيار كان سبباً و علّة، و هكذا الكلام في أفعال العباد من هذه الجهة و إن كان يتفاوت مع أفعاله تعالى من جهات اخرى.
ثمّ إنّ لبعض المعاصرين (قدس سرهم الشريف) هنا كلاماً لا يخلو ذكره عن فائدة، فإنّه قال في حلّ مشكلة الإرادة و قاعدة «إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» إنّ هذه القاعدة لو كانت قاعدة عقليّة لم يكن هناك معنى للالتزام بالتخصيص فيها، لكن الصحيح أنّها ليست قاعدة عقليّة مبرهنة بل هي قاعدة وجدانيّة، إذن فلا بدّ من الرجوع في هذه القاعدة إلى الفطرة السليمة، و الفطرة السليمة تحكم أنّ هناك صفة في النفس و هي السلطنة، و ينتزع منها مفهوم الاختيار، و معناها إنّه حينما يتمّ الشوق المؤكّد في أنفسنا نحو عمل لا نقدم عليه قهراً و لا يدفعنا إليه أحد بل نقدم عليه بالسلطنة، و نسبتها إلى الوجود و العدم و إن كانت متساوية لكنّها كافية
[١] رسالة الطلب و الإرادة للإمام الخميني (قدس سره): ص ١٠٨- ١٠٩.