أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤١ - المختار في حلّ مشكلة الإرادة على مذهب الاختيار
الاختيار الكامنة في النفس، و إراديّة صفة الاختيار و اختياريتها إنّما هي بذاتها فإنّ كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، و ذلك مثل أنّ المعلوم يكون معلوماً بتعلّق العلم به، و العلم معلوم بذاته لا يتعلّق علم آخر به.
يبقى الكلام في توضيح نكتة أنّ الإرادة كيف تترشّح و تنشأ من صفة الاختيار الكامنة في النفس و أنّ النفس تخلقها و توجدها بذاتها و بلا وسائط اخرى خارجيّة، فنذكر في هذا المجال ما أفاده في رسالة الطلب و الإرادة، و نعم ما أفاد، فإنّه جدير بالدقّة و التأمّل و إليك نصّ كلامه:
«اعلم أنّ الأفعال الاختياريّة الصادرة من النفس على نوعين:
النوع الاوّل: ما يصدر منها بتوسّط الآلات الجرمانيّة كالكتابة و الصياغة و البناء ففي مثلها تكون النفس فاعلة الحركة أوّلًا و للأثر الحاصل منها ثانياً و بالعرض، فالبنّاء، إنّما يحرّك الأحجار و الأخشاب من محلّ إلى محلّ و يضعها على نظم خاصّ و تحصل منه هيئة خاصّة بنائيّة و ليست الهيئة و النظم من فعل الإنسان إلّا بالعرض، و ما هو فعله هو الحركة القائمة بالعضلات أوّلًا و بتوسّطها بالأجسام، و في هذا الفعل تكون بين النفس المجرّدة و الفعل وسائط و مبادٍ من التصوّر إلى العزم و تحريك العضلات.
النوع الثاني: ما يصدر منها بلا وسط أو بوسط غير جسماني كبعض التصوّرات التي يكون تحقّقها بفعّاليّة النفس و إيجادها لو لم نقل جميعها كذلك، مثل كون النفس خلّاقة للتفاصيل، و مثل اختراع نفس المهندس صورة بديعة هندسيّة، فإنّ النفس مع كونها فعّالة لها بالعلم و الإرادة و الاختيار لم تكن تلك المبادئ حاصلة بنحو التفصيل كالمبادئ للأفعال التي بالآلات الجسمانيّة، ضرورة أنّ خلق الصور في النفس لا يحتاج إلى تصوّرها و التصديق بفائدتها و الشوق و العزم و تحريم العضلات، بل لا يمكن توسيط تلك الوسائط بينها و بين النفس بداهة عدم إمكان كون التصوّر مبدأً للتصوّر بل نفسه حاصل بخلّاقيّة النفس، و هي بالنسبة إليه فاعلة بالعناية بل بالتجلّي لأنّها مجرّدة، و المجرّد واجد لفعليات ما هو معلول له في مرتبة ذاته، فخلّاقيته لا تحتاج إلى تصوّر زائد بل الواجدية الذاتيّة في مرتبة تجرّدها الذاتي الوجودي تكفي للخلّاقيّة، كما أنّه لا يحتاج إلى إرادة و عزم و قصد زائد على نفسه.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ العزم و الإرادة و التصميم و القصد من أفعال النفس، و لم يكن سبيلها سبيل الشوق و المحبّة من الامور الانفعاليّة، فالنفس مبدأ الإرادة و التصميم، و لم تكن