أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٥ - الأمر الثاني في بيان تفصيلين في المسألة
ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» و قوله تعالى: «وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ» فإذا تعلّق بالمسبّب في ظاهر الخطاب فهو متعلّق بذات السبب في نفس الأمر لا محالة، كما أنّه إذا تعلّق بالسبب فهو يتعلّق به بما أنّه معنون بمسبّبه، و هذا القسم هو مراد العلّامة الأنصاري (رحمه الله) في المحصّل في ما ذهب إليه من أنّ البراءة لا تجري عند الشكّ في المحصّل كما أشرنا إليه سابقاً، فإذا كان الأمر بكلّ منهما أمراً بالآخر فلا معنى للاتّصاف بالوجوب الغيري فيكون هذا القسم خارجاً عن محلّ النزاع، فلا وجه للتعبير بصرف الخطاب فإنّه فرع التعدّد، و المفروض فيما نحن فيه هو الوحدة و الاتّحاد» [١].
و قد أورد عليه بحقّ في هامش أجود التقريرات بالإضافة إلى تمثيله للقسم الثاني بعنواني الإلقاء و الإحراق و بعنواني الغسل و التطهير «بأنّ الإلقاء غير الإحراق خارجاً و كذلك الطهارة بمعنى النظافة العرفيّة موجودة في الخارج بوجود مغاير لوجود الغسل و مترتّبة عليه بالوجدان، و أمّا الطهارة الشرعيّة فهي حكم شرعي مترتّب على وجود موضوعه خارجاً و هو الغسل، فكيف يعقل أن يكون عنوان الطهارة منطبقاً على ما ينطبق عليه عنوان الغسل» [٢].
أقول: و يرد عليه أيضاً أنّه لا معنى لاتّحاد السبب مع المسبّب في الخارج لأنّ العلّة و المعلول وجودان مختلفان في عالم الخارج، و اتّحادهما خارجاً يوجب إنكار العلّية الخارجيّة كما لا يخفى، هذا مضافاً إلى أنّ المفروض قيام الملاك بالمسبّب بعنوانه، فالإرادة أوّلًا و بالذات إنّما تتعلّق به و لا يكون السبب بعنوانه إلّا واجباً غيريّاً، فتأمّل.
و هاهنا تفصيل ثالث للمحقّق الحائري (رحمه الله) في درره، و هو التفصيل بين ما إذا كانت الواسطة من قبيل الآلات مثل انكسار الخشبة المتحقّق بإيصال الآلة قوّة الإنسان إليها، و بين ما إذا لم يكن كذلك كما لو كان في البين فاعل آخر، كما في إلقاء إنسان إلى السبع فيلقي حتفه، أو إلقاء الشخص في النار فتحرقه، ففي مثل الصورة الاولى يكون الأمر حقيقة متعلّقاً بالمسبّب لأنّ مثل انكسار الخشبة بالآلة يعدّ عرفاً فعلًا من أفعال الإنسان و إن تحقّق بسبب الآلة، فيكون وجوب السبب فيها من باب المقدّمة، و أمّا في الصورة الثانيّة فحيث إنّ مثل الإحراق و القتل في المثالين ليس من أفعال الإنسان بل من أفعال الواسطة حقيقة يجب إرجاع الأمر المتعلّق
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٢١٩- ٢٢٠.
[٢] المصدر السابق: ص ٢١٩.