أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٩ - الفصل الرابع عشر إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟
الفصل الرابع عشر إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟
و يمكن أن نعبّر عن عنوان البحث بأنّه إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز على حدّ الاستحباب، أو لا؟
و اعلم أنّه لم يذكر في كلمات القوم مثالًا من الأمثلة الفقهيّة للمقام و لكن يمكن التمثيل له بقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» [١] حيث يمكن أن يقال بأنّه يدلّ على وجوب الجهاد و إن كان المسلمون من حيث العدد عُشر عدد الكفّار و لكنّه نسخ بقوله تعالى بعده: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» [٢] فإنّه يدلّ على تخفيفه تعالى عن المسلمين و رفع وجوب الجهاد إلّا فيما إذا كان عدد المسلمين نصف عدد الكفّار على الأقلّ، فيبحث حينئذٍ في أنّه هل يبقى جواز الجهاد أو استحبابه فيما إذا كان عدد المسلمين عُشر عدد الكافرين أو لا؟
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المعروف بين المحقّقين عدم بقاء حكم الجواز فضلًا عن الاستحباب، و هو الصحيح في المسألة، و ذلك لأنّ بقاء الجواز إمّا يستفاد من دليل الناسخ أو من دليل المنسوخ أو من دليل آخر خارج عنهما، أمّا الدليل الناسخ فلا إشكال في عدم دلالته عليه حيث إنّه دالّ على مجرّد نسخ الحكم فقط لا أكثر و هذا واضح، و بعبارة اخرى: أنّ لسانه لسان الرفع لا الوضع و الإثبات.
[١] سورة الأنفال: الآية ٦٥.
[٢] سورة الأنفال: الآية ٦٦.