أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٣ - التنبيه الرابع في قيام المبدأ بالذات
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) قد سلك في المسألة طريقة اخرى و تبعه المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو أنّ العرف مرجع في تعيين المفهوم لا المصداق، فيمكن أن يكون هناك مصاديق لم يدركها العرف و في ما نحن فيه: كذلك، فإنّ مفهوم المشتقّ هنا عرفاً هو المبدأ القائم بالذات لكن من مصاديق القيام و أعلى مراتبه هو القيام على نحو العينية و إن لم يدركه العرف!
و يرد عليه:
أوّلًا: أنّ العرف قد يكون مرجعاً في المصاديق أيضاً، كما في تطهير الثوب المتنجّس بالدم فيما إذا بقي فيه لون من الدم، ففي مثله و إن كان العقل يحكم ببقاء عين الدم، لاستحالة انتقال العرض (على القول به) إلّا أنّه حيث إنّ العرف لا يعدّه من مصاديق الدم يحكم بعدم وجوده و بطهارة الثوب، نعم المرجع في المصاديق هو العرف الدقّي لا التسامحي، فلا يرجع إلى المسامحات العرفيّة كما إذا حكم على تسعة و تسعين مثقالًا أنّه مائة مثقال مسامحة.
و ثانياً: أنّ القيام يلازم الاثنينية و لا توجد اثنينية فيما إذا كان المبدأ عين الذات، و أمّا كون الاتّحاد من أعلى مصاديق القيام فهو كلام شعري لا محصّل له بعد ما عرفت من وجود الاثنينية في معنى القيام.
بقي هنا شيء:
و هو أنّ ما مرّ من البيان في صفات الباري يختصّ بصفات ذاته تعالى و لا يشمل صفات الفعل، لأنّ المبدأ في الصفات الفعليّة غير الذات و ليست عينها قطعاً بل ينتزعها العقل من الأفعال الصادرة منه تعالى فينتزع مثلًا عنوان «الرازق» بعد صدور فعل «الرزق» منه تعالى، و كذلك في عنوان «الخالق» و غيره من صفات الفعل و لهذا يقال بحدوث صفات الفعل بمعنى أنّ الانتزاع العقلي لهذه الصفات من الأفعال حادث بحدوث الفعل فلا يرد إشكال من ناحية قدم الذات مع حدوث الصفات كما لا يخفى.
نعم القدرة على فعل الخلق أو الرزق قديم، إلّا أنّ مفهوم القادر غير مفهوم الخالق و الرازق، و محلّ النزاع في المقام إنّما هو الصفات المنتزعة من نفس هذه الأفعال، لا صفة القدرة عليها.