أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٥ - الأمر الأوّل في أدلّة القولين
في الألفاظ الذي هو الغاية في الوضع، و لا إشكال في أنّ الالتزام مع الإبراز يحتاج إلى اللحاظ الاستقلالي مضافاً إلى اللحاظ الآلي، لأنّ إبراز الالتزام باللفظ يحتاج إلى النظر إليه مستقلًا، فيبقى الإشكال على حاله.
و أجاب عنه: في تهذيب الاصول بأنّه «يمكن أن يكون من باب جعل ملزوم بجعل لازمه و يكون الاستعمال كناية عن الوضع من غير توجّه إلى الجعل حين الاستعمال و إن التفت إليه سابقاً أو سيلتفت إليه بنظرة ثانية، و هذا المقدار كافٍ في الوضع» [١].
أقول: كلامه هنا منافٍ لما صرّح به في باب حقيقة الوضع، لأنّه قال هناك: إنّ الوضع نوع من الإنشاء، و إليك نصّ كلامه: «الوضع هو جعل اللفظ للمعنى و تعيينه للدلالة عليه» [٢].
و وجه التنافي إنّ الإنشاء و الجعل يحتاج إلى تصوّر المجعول و المجعول له و النظر الاستقلالي إليهما، فكيف يمكن أن يكون الاستعمال الموجب للوضع كناية بحيث يصير اللفظ الموضوع مغفولًا عنه؟
فظهر ممّا ذكرناه عدم تماميّة شيء من هذه الأجوبة الثلاثة، و التحقيق في الجواب أن يقال:
إنّ الإشكال في المقام متوقّف على كون اللفظ آلة و مرآة للمعنى و فانياً فيه، و هو ممنوع جدّاً لأنّ كلّ مستعمل للكلمات و الألفاظ ينظر أوّلًا إلى كلّ واحد من اللفظ و المعنى نظراً استقلالياً، ثمّ يستعمل اللفظ في المعنى كما هو واضح بالنسبة إلى من هو حديث العهد بلغة، فإنّه إذا أراد مثلًا استعمال لفظ «الخبز» في معناه باللغة العربيّة يتفحّص ابتداءً في ذاكرته الحافظة، و يختار من بين الألفاظ المخزونة فيها لفظ «الخبز» فينظر إليه بالطبع نظراً استقلاليّاً كما ينظر إلى معناه أيضاً كذلك ثمّ يستعمل اللفظ في معناه بعد ذلك و يقول: «هل عندك خبز؟». نعم يحصل له الغفلة عن اللفظ بعد استعمالات كثيرة و حصول السلطة على الاستعمال و لكن هذه الغفلة المترتّبة على تلك السلطة ليس معناها دخلها و اعتبارها في حقيقة الاستعمال و فناء اللفظ في المعنى حين الاستعمال.
أضف إلى ذلك أنّ الاستعمال ليس من الامور الآنيّة بالدقّة العقليّة بل يمكن إحضار معانٍ متعدّدة في الذهن أوّلًا ثمّ ذكر اللفظ لإفادتها كما ذكرناه في مبحث جواز استعمال اللفظ المشترك
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٤٦، طبع مهر.
[٢] المصدر السابق: ص ٨، طبع مهر.