أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٩ - الأقوال في مسألة استعمال المشترك في أكثر من معنى
و لنرجع إلى البحث في استعمال المشترك في أكثر من معنى، الذي له أثرات مهمّة في الفقه و التفسير، و ليس محل النزاع استعمال اللفظ المشترك في القدر الجامع بين المعنيين فإنّه لا مانع منه و لا خلاف فيه، بل البحث في استعمال لفظ واحد في آنٍ واحد في كلّ من المعنيين في عرض واحد، كما أنّ النزاع يعمّ الحقيقة و المجاز أو الحقيقة و الكناية أي استعمال لفظ واحد في معناه الحقيقي و المجازي أو في معناه الحقيقي و الكنائي في عرض واحد، لعدم كون النزاع مختصّاً بالألفاظ المشتركة، و لتداخل الجميع في كثير من الأدلّة، وعليه فعنوان البحث «هل يجوز استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى سواء كان من باب الاشتراك، أو الحقيقة و المجاز أو الحقيقة و الكناية؟».
الأقوال في مسألة استعمال المشترك في أكثر من معنى
و الأقوال فيها كثيرة يمكن جمعها في ثلاثة:
الأوّل: الجواز مطلقاً، الثاني: الاستحالة مطلقاً، الثالث: التفصيل تارةً بين المفرد و التثنية و الجمع، و اخرى بين النفي و الإثبات.
و قد ذهب كثير من الأعاظم إلى الاستحالة عقلًا، بل هو المشهور بين المتأخّرين مثل المحقّق الخراساني و المحقّق النائيني رحمهما الله و غيرهما، و ذهب إلى الجواز في التهذيب و المحاضرات و هو المحقّق المختار.
و استدلّ القائلون بالاستحالة بما حاصله: أنّ استعمال لفظ واحد في المعنيين يستلزم الجمع بين اللحاظين في آنٍ واحد و هو محال.
توضيحه: أنّ حقيقة الاستعمال ليست عبارة عن جعل اللفظ علامة للمعنى حتّى يقال أنّه لا مانع من جعل لفظ واحد علامة لمعنيين أو الأكثر، بل هو فناء اللفظ في المعنى و جعله وجهاً و مرآة و عنواناً للمعنى، كأنّ ما يجري على اللسان هو نفس المعنى لا اللفظ، كما يشهد عليه سراية قبح المعنى إلى اللفظ و بالعكس، إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ استعمال لفظ واحد في معنيين يستلزم كونه فانياً في كلّ واحد مستقلًا، و من المعلوم أنّ لحاظه كذلك في معنى ينافي لحاظه في معنى آخر فلا يكون وجهاً لمعنيين و فانياً في اثنين إلّا أن يكون اللاحظ أحول العينين.