أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٢ - المقام الثاني إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الواقعي الاختياري
و الإطلاقات (مع قطع النظر عن الأدلّة الخاصّة) كقوله ٦
«رفع ما اضطرّوا إليه».
أمّا المقام الأوّل: و هو فيما إذا ارتفع الاضطرار في داخل الوقت، فبالنسبة إلى الأدلّة الخاصّة لا بدّ من ملاحظة لسان هذه الأدلّة و أنّه هل هو لسان التنويع و التقسيم، أي تنويع المكلّفين مثلًا إلى الواجدين للماء و الفاقدين له (كما في آية التيمّم) أو إلى السالمين و المرضى، أو إلى القادرين على القيام و العاجزين عنه، أو يكون لسانها لسان البدليّة حيث تجعل التيمّم مثلًا للفاقد للماء بدلًا عن الوضوء للواجد للماء؟
فعلى الأوّل: لا إشكال في أنّ مقتضى الإطلاق المقامي (بناءً على كون المولى في مقام بيان تمام وظيفة المضطرّ) هو الإجزاء، فإنّ المولى إذا نوّع المكلّفين إلى أنواع و جعل لكلّ نوع منهم وظيفته الخاصّة به فأمر المكلّف الواجد للماء مثلًا بالصّلاة مع الطهارة المائيّة و أمر المكلّف الفاقد للماء بالصّلاة مع الطهارة الترابيّة (و هكذا بالنسبة إلى سائر الأنواع) و لم يحكم بالإعادة بعد رفع الاضطرار، فيعلم من هذا التنويع مع هذا الإطلاق و عدم الحكم بالإعادة كفاية الاضطراري عن الواقعي و إجزائه عنه، حيث إنّ المفروض أنّ المكلّف المضطرّ أيضاً كالمكلّف المختار أتى بوظيفته الخاصّة به، فلو كانت الإعادة واجبة عليه لحكم المولى بها قطعاً بعد فرض كونه في مقام البيان.
كما لا إشكال في أنّ مقتضى إطلاقها الأزماني جواز البدار، فمقتضى إطلاق قوله تعالى:
«... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»* من حيث الزمان و كذلك إطلاق قوله ٧
«التراب أحد الطهورين»
[١] أو قوله ٧
«و يكفيك عشر سنين»
[٢] كون التراب كافياً و طهوراً و قابلًا للتيمّم عليه في أيّ ساعة من ساعات الوقت، أوّله أو وسطه أو آخره، و هو معنى جواز البدار.
و على الثاني: أي ما إذا كان ظاهر لسان الدليل البدليّة بمعنى أنّ المولى يقول: أنّ المأمور به في باب الطهارة مثلًا إنّما هو الوضوء و لكن أتقبّل التيمّم حين الاضطرار بدلًا عن الوضوء- فالأصل في المأمور به إنّما هو الوضوء و أمّا التيمّم فهو فرع له و بدل عنه، فحينئذٍ يلاحظ نطاق البدليّة و أنّ التيمّم مثلًا هل هو بدل مطلقاً أو أنّ بدليته مقيّدة بما لم يجد الماء في تمام الوقت؟
فعلى الأوّل يكون الحكم هو الإجزاء، و على الثاني عدم الإجزاء، و لا يبعد كون ظاهره مطلقاً
[١] التهذيب: ج ١، باب التيمّم و أحكامه.
[٢] نفس المصدر.