أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦١ - التنبيه الثالث في مرجّحات النهي على الأمر
رفع الاولى و جلب الثانيّة معاً فلا محالة تقع المزاحمة بينهما ... فهذه القاعدة لو تمّت فإنّما تتمّ في باب التزاحم» [١].
و اخرى بأنّها على فرض تماميتها لا صلة لها بالأحكام الشرعيّة أصلًا و استدلّ له بوجهين نذكر هنا أوّلهما و هو: أنّ المصلحة ليست من سنخ المنفعة و لا المفسدة من سنخ المضرّة غالباً و الظاهر أنّ هذه القاعدة إنّما تكون في دوران الأمر بين المنفعة و المضرّة لا بين المصلحة و المفسدة كما لا يخفى.
و بكلمة اخرى: أنّ الأحكام الشرعيّة ليست تابعة للمنافع و المضارّ و إنّما هي تابعة لجهات المصالح و المفاسد في متعلّقاتها، و من المعلوم أنّ المصلحة ليست مساوقة للمنفعة و المفسدة مساوقة للمضرّة، و من هنا تكون في كثير من الواجبات مضرّة ماليّة كالزّكاة و الخمس و الحجّ و نحوها، و بدنيّة كالجهاد و ما شاكله، كما أنّ في عدّة من المحرّمات منفعة ماليّة أو بدنيّة، مع أنّ الأولى تابعة لمصالح كامنة فيها و الثانية تابعة لمفاسد كذلك» [٢].
أقول: يمكن المناقشة في كلا الوجهين:
أمّا الأوّل فبأنّ وحدة المجمع وجوداً و ماهية في باب الاجتماع لا يلازم اشتماله على خصوص المصلحة أو خصوص المفسدة بل حيث إنّه ليس من البسيط من جميع الجهات و يتصوّر فيه جهتان مختلفتان يكون شاملًا للمصلحة و المفسدة معاً و من باب التزاحم دائماً كما مرّ سابقاً، فهو نظير جميع الأدوية في باب الطب التي يشتمل كلّ واحد منها على مفسدة على رغم أنّه دواء و فيه شفاء، و نظير الخمر و الميسر اللّذين فيهما إثم كبير و منافع للناس كما نطق به الكتاب العزيز، و نظير جميع الواجبات و المحرّمات التي أشار إليها في خبر تحف العقول المعروف بما حاصله: أنّ كلّ ما غلبت مصلحته على مفسدته فهو واجب و كلّ ما غلبت مفسدته على مصلحته فهو حرام.
و إن شئت قلت: أنّ الواحد في المقام ليس واحداً حقيقيّاً و لا واحداً صناعياً بل إنّه واحد اعتباري الذي يتصوّر فيه الجهات المختلفة و أبعاد متفاوتة التي تشتمل على مصالح و مفاسد، و المراد من التزاحم فيه هو التزاحم بين جهتي المصلحة و المفسدة. و العجب منه حيث ادّعى فيه البداهة.
[١] المحاضرات: ج ٤، ص ٤٠٨- ٤٠٩.
[٢] المصدر السابق: ص ٤٠٩- ٤١٠.