أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٣ - الأمر الثاني في دلالة المادّة على الوجوب
قومه ٦ كانوا دانين بالنسبة إليه لا سيّما بملاحظة قوله ٦ «أيّها الجاهلون» الدالّ على تحقير شديد.
و يشهد له ما ورد من الآيات و الرّوايات في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و وجوبها على جميع المكلّفين لأنّه لا إشكال في أنّه ليس لكلّ واحد منهم علوّ على باقي الناس، كما يشهد له أيضاً قياس الأمر بالنهي حيث إنّ الظاهر عدم اعتبار واحد منهما في النهي.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز و أنّه في ما نحن فيه لم يصل إلى حدّ الاطّراد فنرجع إلى أصالة عدم النقل.
و التحقيق في المسألة أن يقال أنّ المتبادر من الأمر إنّما هو نوع من الإلزام (في مقابل الاستدعاء الذي ليس فيه إلزام) و هو يتصوّر فيمن كان مطاعاً بنحو من الأنحاء، أي يصدر الإلزام ممّن هو مطاع إمّا شرعاً أو عرفاً أو عقلًا، و حيث إنّ لزوم الطاعة يلازم غالباً العلو و الاستعلاء فتوهّم من ذلك اعتبارهما في المعنى الموضوع له الأمر.
و بعبارة اخرى: المتبادر من الأمر إنّما هو الإلزام، و أمّا العلو و الاستعلاء فهما من اللوازم الغالبية له.
الأمر الثاني: في دلالة المادّة على الوجوب
و استدلّ لها بوجوه:
الوجه الأوّل: التبادر و الظهور العرفي، فإنّ المتبادر عرفاً من لفظ الأمر فيما إذا كان مجرّداً عن قرينة على الاستحباب هو الطلب الإلزامي.
و إن شئت قلت: أنّ مفاده البعث كما عرفت، و البعث يستدعي الانبعاث كما هو الحال في البعث الفعلي بأن يأخذ بيده و يبعثه نحو العمل، فكما أنّ البعث الفعلي ظاهر في الوجوب، فكذا البعث القولي يتبادر منه الوجوب، بل سيأتي إن شاء اللَّه تبادر الفوريّة منه أيضاً.
لا نقول إنّ استعماله في المستحبّ مجاز كما سيأتي، بل نقول: المتبادر من الإطلاق هو الوجوب، و الانصراف إلى بعض أفراد المطلق ليس بمعنى كونه مجازاً في غيره.
الوجه الثاني: قوله تعالى: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ