أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٤ - تتميم في الحقيقة و المجاز
تعلّقت الإرادة الاستعماليّة بأنّ الرماد كثير في دار زيد، و لكن الإرادة الجدّيّة تعلّقت بسخاوة زيد، و إذا كان الأمر فيها كذلك و كان المجاز و الكناية في غاية القرابة بل يمكن ادخالهما تحت عنوان واحد (و هو استعمال اللفظ و إرادة غير الموضوع له في الإرادة الجدّية) فلا منع و لا بأس في أن يكون الأمر في المجازات أيضاً كذلك.
و ثالثاً: إنّ الوجدان حاكم بأنّ ما استدلّ به السكّاكي في خصوص مجاز الاستعارة جارٍ في المجاز المرسل أيضاً (و هو ما تكون العلاقة فيه غير علاقة التشبيه من سائر العلاقات) فإنّ اللفظ فيه أيضاً لم يستعمل إلّا فيما وضع له، فيدعى في مثل قوله «جرى الميزاب» أنّ الميزاب هو نفس المطر، و في إطلاق الميّت على من يكون مشرفاً على الموت يدعى كونه ميّتاً بالفعل، و في إطلاق القرية على أهلها في قوله تعالى: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» ادّعى أنّ القرية من مصاديق أهل القرية و إنّها أيضاً قابلة للسؤال عنها، مع أنّ العلاقة في هذه الموارد ليست من علاقة التشبيه، و مع إنّا نشاهد فيها نفس المبالغة التي نشاهدها فيما تمسّك به من بعض الأبيات كما لا يخفى.
و بالجملة، لطف المجاز و حسنه و بلاغته لا تتمّ إلّا على هذا القول كما هو ظاهر للخبير بفنون الكلام و بدائعه [١]. هذا تمام الكلام في الأمر الثالث.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) عنون في ذيل هذا الأمر بحثاً تحت عنوان استعمال اللفظ و إرادة النوع أو المثل أو الصنف، منه و هذا البحث قليل الفائدة جدّاً علماً و عملًا فالأولى تركه و صرف النظر عنه.
[١] نعم يظهر من بعض كلمات المحقّق الشّيخ محمّد رضا (رحمه الله) إنّه يرى فرقاً بين مقالته و مقالة السكّاكي حيث قال: «و عمدة الفرق بين المقالتين هي أنّ السكّاكي يبني مذهبه على أنّ التعرّف في أمر عقلي و أنّ المستعير يدّعي أنّ للمشبه به فرداً آخر و هو المستعار له و يجعل مقالته غرضاً لسهام الانتقاد و الاعتراض عليه بأنّ اللفظ موضوع للفرد الواقعي لا الادّعائي، فيعود الاستعمال إلى المجاز اللغوي، و ما ذكرناه لا يبنى على الادّعاء بهذا المعنى أصلًا» (وقاية الأذهان ص ٤٦ من رسالته الملحقة) و لكن الظاهر أنّ مراد السكّاكي أيضاً هو ما ذكره المحقّق المذكور، و الفرق بينهما في العموم و الخصوص فقط.