أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٦ - الأمر الرابع الدلالة تابعة للارادة أو لا؟
العلّة الغائيّة من وضع الألفاظ هو انتقال المرادات، و العلّة تضيّق المعلول و تحدّده و يكون هذا التضييق من قبيل القضيّة الحينيّة لا الشرطيّة، فيكون قيد «حين الإرادة» دخيلًا في معنى اللفظ، أي اللفظ وضع للمعنى حين كون مراداً.
و استشكل عليه في التهذيب بأنّا لا نسلّم الصغرى، و هي أنّ غاية وضع الألفاظ انتقال المرادات، لأنّ الغاية في الوضع هو بيان الواقعيات الخارجيّة، و إرادة المعنى تكون مرآة للخارج و آلة للنيل إلى الواقع [١].
أقول: التحقيق أنّ النزاع في المسألة أشبه شيء بالنزاع اللّفظي لأنّه إن كان المراد من دخالة الإرادة دخالتها في الموضوع له فلا يقول بها أحد حتّى تصل النوبة إلى البحث و النزاع، و إن كان المراد أنّ المقصود من وضع الألفاظ هو تبيين المرادات، و الإرادة دخيلة في غاية الوضع و لو مرآة إلى الخارج، فهذا ممّا لا مجال لانكاره.
إن قلت: إنّ مقتضى تضييق المعلول بالعلّة دخالة الإرادة في الموضوع له. قلنا: العلّة المضيّقة للمعلول ليست هي العلّة الغائيّة بل هي العلّة التامّة ... فيوجد المعلول بتأثير علّته التامّة، و أمّا العلّة الغائيّة فهي من المعدّات، و لهذا لا يوجب تضييق المعلول في الكثير من الموارد، نظير ما إذا قصدت المسجد و الدخول فيه للصّلاة و لكن بعد الدخول تلوت القرآن أو استمعت إلى الخطيب مثلًا، كما أنّه كذلك في الصنائع المخترعة، فتكون المعلولات المخترعات فيها أعمّ من عللها الغائيّة الابتدائيّة لمخترعيها فتترتّب عليها آثار اخرى غير ما قصدها المخترعون كما هو ظاهر على الخبير، كما أنّه كذلك في كثير من المباحث الاصوليّة، فتكون الغاية فيها تبيين الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة و لكن تترتّب عليها آثار اخرى في الألفاظ الواردة في الوصايا و الأوقاف الخاصّة و العامّة و غيرها.
بقي هنا شيء:
و هو بيان المراد من الكلام المنقول عن الشّيخ الرئيس و المحقّق الطوسي (رحمه الله) من «أنّ الدلالة تابعة للإرادة».
[١] راجع التهذيب: ص ٣٥- ٣٦، طبع مهر.