أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٩ - الثالث في معنى السعيد سعيد في بطن امّه
عبد الله بن عمر عن رسول اللَّه ٦ بنفس التعبير.
و أمّا الرّواية الثانيّة
فقد رواها الكليني (رحمه الله) عن سهل عن بكر بن صالح رفعه عن أبي عبد الله ٧ قال: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل»
. [١]
كما أنّها رويت أيضاً من طريق العامّة [٢] عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ٦ بتقديم الفضّة على الذهب. و كيف كان يمكن تفسير مجموع الحديثين بوجهين:
الوجه الأوّل: حمل قوله ٦
«السعيد سعيد في بطن امّه و الشقي شقي في بطن امّه»
على علم الباري تعالى بأنّه سيكون كذلك كما فسّره المعصوم ٧ بذلك في رواية اخرى
رواها ابن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر ٧ عن معنى قول رسول اللَّه ٦ «الشقي من شقى في بطن امّه و السعيد من سعد في بطن امّه» فقال: «الشقي من علم اللَّه و هو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء، و السعيد من علم اللَّه و هو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال السعداء ... الحديث»
[٣]، فلا إشكال في أنّ الحديث بهذا المعنى يخرج عن ظاهره و لا ينافي اختيار الإنسان في أعماله كما لا يخفى.
الوجه الثاني: ما ينطبق على كلا الحديثين و هو الحمل على اختلاف الاستعدادات و المقتضيات الذاتيّة للأفراد، و الروايتان كلتاهما تعبّران عن أنّ الناس يختلفون من ناحية الاستعداد الذاتي للطاعة أو العصيان، فبعضهم قريب إلى الطاعة في ذاته و بعض آخر قريب إلى المعصية كذلك، لكن لا على حدّ الإلزام و العلّة التامّة بل على حدّ الاقتضاء، نظير ما نشاهده من اختلاف الأفراد في استعدادهم للصيام مثلًا فبعضهم يجد في نفسه استعداداً للصوم أكثر من الآخر، إلّا أنّ هذا لا يعنى أنّه مجبور على الصّيام و أنّ الآخر مجبور على تركه، و هكذا في الامور العارضة على الذات كالتفاوت الجغرافي و اختلاف المناطق في الحرارة الجويّة في المناطق الحارّة أو الباردة أو لجهة شغلية كالتفاوت الموجود بين الخبّاز و البقّال بالنسبة إلى
[١] الروضة من الكافي: ص ١٧٧، ح ١٩٧.
[٢] مسند أحمد بن حنبل: ج ٢ ص ٥٣٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٥، ص ١٥٧.