أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦١ - الكلام في القضاء و القدر
تفترق مسألة القضاء و القدر عن مسألة الجبر و الاختيار في أمرين:
أحدهما: أنّ الاولى أعمّ من الثانيّة من ناحية سعة شمولها لأعمال العباد و غيرهم فإنّ القضاء و القدر جاريان في جميع الكائنات بخلاف مسألة الجبر و الاختيار فإنّها مطروحة في مجال أعمال الإنسان فقط.
ثانيهما: أنّ المسألة الاولى بلحاظ انتساب الأفعال إلى اللَّه تعالى و المسألة الثانيّة بلحاظ انتساب الأفعال إلى العباد أنفسهم كما لا يخفى. و لكن مع ذلك فإنّ بينهما قرابة شديدة و ربط وثيق و إنّ أدلّة المسألتين متقاربة جدّاً.
الأمر الثاني: أنّ القضاء و القدر في لسان الفلاسفة يأتي على معنيين:
أحدهما: القضاء و القدر العلميين، بمعنى أنّ القضاء عبارة عن العلم الإجمالي للباري تعالى بجميع الموجودات و هو عين ذاته تعالى، و أمّا القدر فهو علمه التفصيلي بجميع الموجودات و هو عين ذات الموجودات نفسها.
ثانيهما: القضاء و القدر العمليين التكوينيين، بمعنى أنّ القضاء هو خلق الصادر الأوّل الذي يتضمّن جميع الموجودات و اندرج فيه العالم بتمامه، و القدر عبارة عن إيجاد الموجودات المتكثّرة، و لا يخفى ما فيه من الإشكال في المباني.
الأمر الثالث: في معنى القضاء و القدر في اللّغة و في لسان الآيات.
ففي مفردات الراغب: «القضاء فصل الأمر، قولًا كان ذلك (مثل قول القاضي) أو فعلًا (نحو قوله تعالى فقضاهنّ سبع سماوات) و كلّ واحد منهما على وجهين: إلهي و بشري ... إلى أن قال في مقام بيان الفرق بين القضاء و القدر: و القضاء من اللَّه أخصّ من القدر لأنّه الفصل بعد التقدير، فالقدر هو التقدير و القضاء هو الفصل بعد التقدير».
و أمّا المستفاد من موارد استعمالها في القرآن فهو أنّ القضاء هو الحكم القطعي الإلزامي تكوينياً كان أو تشريعيّاً، فالتكويني منه نظير ما جاء في قوله تعالى: «إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»* [١] و التشريعي ما جاء في قوله تعالى: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» [٢]، و أمّا القدر فهو بمعنى تعيين المقدار إمّا تكويناً نحو قوله تعالى: «وَ إِنْ
[١] سورة آل عمران: الآية ٤٧.
[٢] سورة الإسراء: الآية ٢٣.