أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧ - ملاك وحدة العلم
قلنا: لا بدّ للحصول على الجواب الصحيح لهذا السؤال من الرجوع إلى تاريخ تدوين العلوم البشريّة (لا إلى حكم العقل لعدم كون المسألة عقليّة كما لا يخفى) فنقول: إذا رجعنا إلى تاريخ تدوين العلوم نجد بساطتها و اختصارها في بدو تولّدها كما يظهر من ملاحظة فلسفة افلاطون مثلًا فإنّها متشكّلة من مسائل طفيفة في أبواب الالهيّات و مسائل في الطبيعيّات و مسائل اخرى في الفلكيّات و مباحث في سياسة المدن اندرج جميعها في علم واحد و كتاب واحد، ثمّ بعد توسّعها و احتياجها إلى تجزئة بعضها عن بعض قصد موسّعوها و مدوّنوها في الأدوار اللّاحقة إلى تدوين المسائل التي توجد علاقة خاصّة بينها علماً على حدة و تأليفها بعنوان علم مستقلّ، و كان المعيار في هذه العلاقة:
تارةً: وحدة الموضوع، كعلم معرفة الأرض في الطبيعيّات الذي يكون الموضوع في جميع مسائله شيئاً واحداً و هو الأرض و حالاتها مع أنّ الأغراض المترتّبة على مسائله مختلفة فإنّ له تأثيراً في مقاصد شتّى كما لا يخفى. أو كعلم النجوم الذي يكون الموضوع فيه أمراً واحداً و هو النجوم، و لا يخفى أيضاً أنّ الأغراض فيه متعدّدة تظهر في باب التوحيد و العبادات و نظام المجتمع الإنساني و غيرها، أو كعلم الكيمياء و هو علم تراكيب الأشياء و تجزئتها، و موضوعها هو الأجسام من حيث التجزئة و التركيب، مع أنّ فائدته تظهر في علم الطبّ و الصنائع المختلفة.
و اخرى: وحدة المحمول كعلم الفقه لأنّ المحمول في جميع مسائله سواء كانت تكليفيّة أو وضعية هو حكم من الأحكام الشرعيّة و ليس المعيار فيه وحدة الموضوع لأنّ الموضوع فيه ليس شيئاً واحداً فإنّ الموضوع لعلم الفقه ليس خصوص أفعال المكلّفين لعدم شمولها للأحكام الوضعيّة، و ارجاعها إلى أفعال المكلّفين بالواسطة لا يخلو من التكلّف.
و ثالثة: وحدة الغرض خاصّة، كعلم المنطق لأنّ الغرض الحاصل من مسائله هو الحصول على التفكّر الصحيح و الصيانة عن الخطأ، و لعلّ من هذا القسم علم الاصول لوحدة الغرض في جميع قضاياه، و هو تحصيل القدرة على استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها.
و يمكن أن يكون ملاك الوحدة اثنين من هذه الامور الثلاثة أو جميعها كما لا يخفى.
فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل على أنّ لكلّ علم موضوعاً واحداً حتّى نحتاج إلى البحث عن حدوده و خصوصياته، كما ظهر ضمناً أنّ الملاك في تمايز العلوم ليس أمراً واحداً بل إنّه يختلف باختلاف أنواعها كما سيأتي بيانه في محلّه تفصيلًا إن شاء اللَّه تعالى.
ثمّ إنّه لو سلّمنا حاجة كلّ علم إلى موضوع خاصّ فما هو الموضوع و ما تعريفه؟
ذكر كثير منهم أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة كما حكيناه عن