أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١ - ٣- الكلام في أقسام الوضع
كلّي سابق عليه، فيكون من قبيل الوضع العامّ و الموضوع له العامّ لا من قبيل الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ.
و قال المحقّق الحائري (رحمه الله) في هذا المقام ما إليك نصّه: «يمكن أن يتصوّر هذا القسم فيما إذا تصوّر شخصاً و جزئيّاً خارجياً من دون أن يعلم تفصيلًا بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد مثله كما إذا رأى جسماً من بعيد و لم يعلم بأنّه حيوان أو جماد، فلم يعلم إنّه داخل في أيّ نوع من الأنواع، فوضع لفظاً بإزاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع، فالموضوع له لوحظ إجمالًا و بالوجه، و ليس الوجه عند هذا الشخص إلّا الجزئي، لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقّلًا عنده إلّا بعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص» [١].
و يرد عليه أيضاً: أنّ الجزئي المذكور في المثال ليس عنواناً لكلّيه بل ينتقل الإنسان فيه بحسب الواقع من الشخص الجزئي إلى مفهوم عامّ إجمالًا و هو عنوان «ما هو متّحد مع هذا الشخص» (كما اعترف به في ذيل كلامه) فيلاحظه و يتصوّره ثمّ يضع اللفظ بإزائه، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له أيضاً عامّاً.
ثمّ إنّ لبعض الأعاظم في المقام كلاماً لا يخلو عن نظر و إن كان جديراً بالقبول في النظر الأوّل، و إليك نصّه: «الحقّ إنّهما (الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ و عكسه) مشتركان في الامتناع على وجه و إلا كان على وجه آخر، إذ كلّ مفهوم لا يحكي إلّا عمّا هو بحذائه و يمتنع أن يكون حاكياً عن نفسه و غيره، و الخصوصيّات و إن اتّحدت مع العام وجوداً إلّا أنّها تغايره عنواناً و ماهية، فحينئذٍ إن كان المراد من الموضوع له في الأقسام هو لحاظه بما هو حاكٍ عنه و مرآة له فهما سيّان في الامتناع، إذ العنوان العامّ كالانسان لا يحكي إلّا عن حيثيّة الإنسانيّة دون ما يقارنها من الخصوصيّات لخروجها عن حريم المعنى اللابشرطي، و الحكاية فرع الدخول في الموضوع له، و إن كان المراد من شرطيّة لحاظه هو وجود أمر يوجب الانتقال إليه فالانتقال من تصوّر العامّ إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان» [٢].
و لكن يمكن الجواب عنه بأنّه من قبيل الخلط بين المفهوم و المصداق، فإنّ العامّ بمفهومه و إن كان لا يحكي عن الأفراد بخصوصيّاتهم، و لكن إذا لوحظ بقيد الوجود يكون إشارة إليها إجمالًا،
[١] درر الفوائد: طبع جماعة المدرّسين، ص ٣٦، طبع مهر.
[٢] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٨، طبع مهر.