أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨١ - الأمر الثاني في ترتّب الثواب على الواجب الغيري و عدمه
أقول: الحقّ- كما أفاد هذا العلم في دفع هذا التوهّم- عدم وجود قسم ثالث للواجب لأنّه يمكن أن تكون الموارد المزبورة من مصاديق الواجب الغيري لما مرّ من أنّ وجوب المقدّمة لا ينشأ و لا يترشّح من وجوب ذي المقدّمة كترشّح المعلول من علّته حتّى لا يعقل وجوبها قبل إيجابه، بل العلّة لوجوبها إنّما هي إرادة المولى، و أمّا وجوب ذي المقدّمة فهو مجرّد داعٍ لارادته، و من المعلوم أنّ الداعي للإرادة كما يمكن أن يكون أمراً حالياً كذلك يمكن أن يكون أمراً استقبالياً، هذا- و قد مرّ أنّ هذا هو أحد طرق حلّ الإشكال في المسألة، و قد ذكرنا هناك طرقاً اخر لحلّها، منها كون وجوب المقدّمة قبل إيجاب ذيها من باب وجوب حفظ غرض المولى و قد مرّ تفصيلها في البحث عن الواجب المعلّق فراجع.
الأمر الثاني: في ترتّب الثواب على الواجب الغيري و عدمه
و التحقيق في المسألة و تنقيح المقال فيها يحتاج إلى رسم مقدّمة قبل الورود في أصل البحث، و هي أنّ الثواب المترتّب على الواجب النفسي هل هو من باب الاستحقاق، أو التفضّل؟
اختلفت فيه كلمات الفقهاء و المتكلّمين، و المشهور و المعروف أنّه من باب الاستحقاق، و لكن حكي عن الشّيخ المفيد (رحمه الله) و جماعة أنّه من باب التفضّل من اللَّه سبحانه، و لا إشكال في أنّ الظاهر من آيات الكتاب هو الأوّل حيث تعبّر عن الثواب بالأجر في عدد كثير منها [١] و أكثرها مربوطة بمسألة الجزاء في يوم القيامة، و من المعلوم أنّ كلمة «الأجر» ظاهرة عند العرف في الاستحقاق لا التفضّل فلا يعبّر عرفاً عن الضيافة و الاطعام تطوّعاً و تقرّباً إلى اللَّه تعالى مثلًا بأجر الضيوف كما لا يخفى، كما أنّ ظاهر المقابلة بكلمة الباء في مثل قوله تعالى:
«سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ» [٢] و قوله تعالى: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» [٣] أيضاً هو الاستحقاق، بل وقوع المقابلة بين الأجر و الفضل في مثل قوله تعالى: «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ
[١] قد تكرّرت مادّة الأجر في القرآن الكريم أربعين مرّة بصيغة «أجرٍ» و «أجرٌ» و سبع و عشرين مرّة بصيغة «أجراً» و أكثرها واردة في أمر القيامة.
[٢] سورة الرعد: الآية ٢٤.
[٣] سورة النحل: الآية ٣٢.