أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٤ - الأمر الأوّل في أدلّة القولين
الخراساني (رحمه الله) أبدع هنا قسماً ثالثاً يمكن تسميته بالوضع التعييني العملي فإنّه قال: ربّما يكون الإنسان بصدد الوضع من دون أن يصرّح به فلا يقول: «وضعت هذا لهذا» بل يستعمل اللفظ عملًا في معناه فيقول مثلًا: «ايتني بالحسن» و هو يريد به وضع لفظ الحسن لهذا المولود، من دون أن ينصب قرينة على المجاز بل إنّما ينصب القرينة على كونه بصدد الوضع (و لعلّه من هذا القبيل قول الرسول ٦
«صلّوا كما رأيتموني اصلّي»
)، ثمّ قال: لا يبعد كون هذا النوع من الوضع هو منشأ التبادر في الحقائق الشرعيّة، لكن أورد عليه جماعة ممّن تأخّر عنه منهم المحقّق النائيني (رحمه الله) «بأنّ حقيقة الاستعمال كما بيّناه إلقاء المعنى في الخارج بحيث يكون الألفاظ مغفولًا عنها فالاستعمال يستدعي كون الألفاظ مغفولًا عنها و توجّه النظر إليه بتبع المعنى بخلاف الوضع فإنّه يستدعي كون اللفظ منظوراً إليه باستقلاله، و من الواضح إنّه لا يمكن الجمع بينهما في آن واحد» [١].
ثمّ وقع الأعاظم بعده في حيص و بيص في مقام دفع هذا الإشكال و أجاب كلٌّ بجواب، فأجاب بعض من تأخّر عنه بما حاصله: إنّ المستحيل هو اجتماع اللحاظين في ملحوظ واحد، و في ما نحن فيه متعلّق أحد اللحاظين غير متعلّق الآخر، لأنّ اللحاظ الآلي متعلّقه شخص اللفظ، و اللحاظ الاستقلالي متعلّقه نوع اللفظ من أي متكلّم كان [٢].
و لكن يرد عليه: أنّ المفروض استعمال لفظ الحسن مثلًا مرّة واحدة لا مرّتين، فيكون النوع و الشخص موجودين بوجود واحد، فيبقى محذور اجتماع اللحاظين على حاله.
و أجاب بعض الأعلام في تعليقته على أجود التقريرات بما حاصله: إنّ هذا الإشكال وارد على مبنى كون حقيقة الوضع إنشاء، لأنّ الوضع حينئذٍ يتحقّق بنفس التلفّظ و الإنشاء، و أمّا بناءً على مختارنا من كونه هو التعهّد و الالتزام فيقع الوضع قبل الاستعمال بطبيعة الحال، لأنّ الالتزام يتحقّق قبل التكلّم، فلا يكون في نفس الاستعمال لحاظان [٣].
و فيه: أوّلًا: ما مرّ من الإشكال في أصل مبناه في حقيقة الوضع.
و ثانياً: سلّمنا- إلّا أنّ التعهّد المحض من دون الإبراز و الإظهار لا أثر له لعدم إيجابه التفاهم
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٣.
[٢] راجع مجمع الأفكار: ج ١، ص ٧٠.
[٣] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٣.