أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٥ - الأوّل في مسألة الأمر بين الأمرين
النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» [١].
الطائفة السابعة: مجموع الآيات الدالّة على إسناد الأفعال إلى العباد حقيقة و هي كثيرة جدّاً كقوله تعالى: «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ» فإنّ نسبة إيجاد الوسوسة في صدور الناس إلى الجنّ و الانس دليل على أنّها مستندة إليهم حقيقة لا مجازاً، و القرآن مشحون بمثل هذه الآيات.
و بها نجيب عن طائفة من الجبريين الذين يقولون: بأنّ إسناد الأفعال إلى العباد في الآيات الكريمة إسناد مجازي و إنّ عادة الباري تعالى جرت على أعمال إرادته عند إرادة الإنسان و إنّ العلّة التامّة إنّما هو إرادة اللَّه فقط، فإنّ هذا ينافي ظهور هذه الإسنادات بكثرتها في الحقيقة، فإنّ حملها كلّها على المجاز مجازفة جدّاً.
إلى هنا تمّ الكلام في الأدلّة النقليّة و العقليّة الدالّة على نفي الجبر و التفويض.
بقي هنا امور:
الأوّل: في مسألة الأمر بين الأمرين
و هو مذهب أهل بيت العصمة الذين لا يزالون يدعون إليه في مقابل مذهبي الجبر و التفويض، و قد وردت من جانبهم في هذا المجال روايات كثيرة في الجوامع المعتبرة للحديث، و حيث إنّ بعض القائلين بهذا المذهب انسحب بالمآل إلى مذهب الجبر كمن يقول: بأنّ العلّة النهائيّة في إرادات الإنسان إنّما هي حسن سريرته أو سوئها، كما أنّ بعضاً آخر انجرّ إلى مذهب التفويض كذلك، فلا بدّ أوّلًا من تفسير الأمر بين الأمرين و بيان حقيقته ثمّ إيراد جملة من تلك الرّوايات المأثورة عنهم :.
فنقول: إنّ «الأمر بين الأمرين» عبارة عن الجمع بين الأصلين: التوحيد الأفعالي (أي فاعليته تعالى في الأفعال كلّها) و العدالة، فإنّ حقيقة هذا المذهب أنه لا يخرج الباري تعالى عن
[١] سورة العنكبوت: الآية ٢.