أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٦ - الأوّل في مسألة الأمر بين الأمرين
سلطانه المطلق في جميع الأشياء حتّى في الأفعال الاختياريّة للإنسان، هذا من جانب، و من جانب آخر لا يتّهمه بإجباره العباد على المعاصي ثمّ أخذهم بالعذاب.
و قد ورد عن أبي بصير عن أبي عبد الله ٧ قال: «من زعم أنّ اللَّه يأمر بالفحشاء فقد كذب على اللَّه و من زعم أنّ الخير و الشرّ إليه فقد كذب على اللَّه»
. [١]
و عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ٧ قال: «اللَّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون و اللَّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»
. [٢]
فلا يخفى أنّه جمع في هذين الخبرين بين عدالته تعالى و عدم ظلمه على العباد بإجبارهم و تكليفهم بما لا يطيقون و لا يقدرون على إتيانه أو على تركه و بين سلطانه و توحيده في جميع الأفعال.
و عن اسماعيل بن جابر قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر و الناس مجتمعون قال: فقلت يا هذا أسألك؟ قال: سل قلت: قد يكون في ملك اللَّه تعالى ما لا يريد؟ قال: فأطرق طويلًا ثمّ رفع رأسه إليّ فقال: يا هذا لئن قلت أنّه يكون في ملكه ما لا يريد أنّه لمقهور، و لئن قلت لا يكون في ملكه إلّا ما يريد أقررت لك بالمعاصي قال: فقلت لأبي عبد الله ٧ سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا و كذا، فقال: «لنفسه نظر أمّا لو قال غير ما قال لهلك»
[٣]، (و المراد منه أنّه بسبب هذا الجواب أنجى نفسه من هلكة الكفر و العذاب لأنّ كلّ واحد من الأمرين الجبر و التفويض ينتهي إلى الكفر أحدهما يوجب سلب العدالة عنه تعالى عن ذلك و ثانيهما يوجب الشرك في الأفعال).
فقد ظهر لك أنّ معنى الأمر بين الأمرين أنّ أفعال العباد تكون باختيارهم و إرادتهم و لذلك يكونون مسئولين و يجزون بالثواب أو العقاب في مقابل طاعتهم أو معصيتهم، و لكن في نفس الوقت و من جانب آخر تستند أفعالهم إلى الباري تعالى حقيقة لأنّ اختيارهم من جانب اللَّه و تفاض إرادتهم من ناحيته تعالى إليهم في كلّ لحظة لحظة و هو القيّوم عليهم و على أفعالهم و جميع الأشياء، و ليس شيء منها خارجاً عن سلطانه و سطوته، فاختيار الإنسان و إرادته ينشأ من اختياره تعالى الذي أفاضه عليه و حيث إنّ أفعال الإنسان الاختياريّة ناشئة من
[١] الوافي: ج ١، ص ٥٣٩، ح ٢، من الطبع الحديث.
[٢] المصدر السابق: ص ٥٤٠، ح ٤.
[٣] المصدر السابق: ص ٥٤٠، ح ٥.