أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٦ - الأمر الثالث كيفية الثواب و العقاب الاخرويين
فلا معنى لإتيان المقدّمات لأجل ذيها [١].
٥- التفصيل بين ما إذا أتى بالمقدّمات بشرط قصد التوصّل به إلى الواجب النفسي، و ما إذا أتى بها لا بهذا القصد، فيترتّب الثواب على الأوّل دون الثاني، ذهب إلى هذا التفصيل المحقّق النائيني (رحمه الله) و تلميذه المحقّق في المحاضرات، و الفرق بينهما أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) ذهب إلى أنّ الثواب المترتّب على المقدّمة نفس ما يترتّب على ذي المقدّمة و ليس ثواباً مستقلًا، غاية الأمر أنّ الآتي بالواجب الغيري إن قصد به التوصّل إلى الواجب النفسي فهو شارع في الإطاعة من حين الشروع بالمقدّمة و يزيد الثواب حينئذ [٢]، و لكن قال في المحاضرات أنّه ثواب مستقلّ فيستحقّ العبد على الإتيان بالمقدّمة و ذيها ثوابين إذا قصد بإتيان المقدّمة التوصّل إلى الواجب النفسي [٣].
أقول: الحقّ في المسألة وجه آخر، و هو ترتّب الثواب على المقدّمة بشرط قصد التوصّل بها إلى ذيها مضافاً إلى اشتراط الوصول الفعلي إلى ذي المقدّمة لو لا المانع، أي يترتّب الثواب على خصوص المقدّمة الموصلة مع قصد التوصّل بها بل يترتّب الثواب أيضاً حتّى لو لم يصل إلى ذي المقدّمة و لكن لحدوث مانع غير اختياري.
أمّا أصل ترتّب الثواب على المقدّمة في مقابل من ينكره على الإطلاق فلما اخترناه في الواجب النفسي في مقدّمة هذا البحث من أنّ الاستحقاق في ما نحن فيه إنّما هو بمعنى لياقة يكتسبها العبد بطاعته و تقرّبه، و إنّ حكمة المولى الحكيم تقتضي عدم التسوية بين المطيع و العاصي فإنّه لا إشكال في أنّ هذه اللياقة و هذا التقرّب يحصل وجداناً أيضاً لمن أتى بالمقدّمات بقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة حيث إنّ العبد بإتيانه المقدّمات يتقرّب إلى الواجب، و الوجدان حاكم بأنّ المتقرّب إلى ما أوجبه اللَّه تعالى متقرّب إلى اللَّه نفسه.
و يؤيّد هذا بل يدلّ عليه ما ورد من الآيات و الرّوايات التي تؤكّد جدّاً على ترتّب الثواب على بعض المقدّمات، نظير قوله تعالى بالنسبة إلى مقدّمات الجهاد في سبيل اللَّه بل و مقارناته:
[١] راجع تهذيب الاصول: ص ١٩٥- ١٩٦، طبع مهر.
[٢] أجود التقريرات: ج ١، ص ١٧٤.
[٣] المحاضرات: ج ٢، ص ٣٩٧.